المركز الإفريقي للاستشارات
انعقدت القمة التاسعة والثلاثون لـالاتحاد الإفريقي يومي 14 و15 فبراير 2026 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وسط أجواء إقليمية ودولية مشحونة بتصاعد النزاعات المسلحة في عدد من أقاليم القارة، وتنامي المخاوف من اضطراب النظام الدولي وتراجع التعددية، وتزايد التدخلات الخارجية في الشؤون الإفريقية. وقد انعقدت القمة في مقر الاتحاد بحضور نحو خمسين قائداً من رؤساء الدول والحكومات، إلى جانب ممثلين رفيعي المستوى، وبمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة، ما عكس ثقل اللحظة السياسية التي تمر بها إفريقيا.
منذ الجلسة الافتتاحية، برزت لهجة تحذيرية واضحة بشأن اتساع بؤر الصراع وهشاشة المؤسسات الوطنية والقارية. ففي كلمته الافتتاحية، شدد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، على أن القارة تواجه تحديات مركبة، من السودان إلى الساحل، ومن شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى الصومال، مؤكداً أن “إسكات البنادق” يثبت صعوبته في ظل الهشاشة السياسية والمؤسسية وتزايد الصراعات المزمنة. وحذر من أن تدخل القوى الخارجية يفاقم هشاشة النظام الدولي ويضاعف كلفة الأزمات على الشعوب الإفريقية.
القمة ناقشت طيفاً واسعاً من الملفات الأمنية والاقتصادية والبيئية. تصدر جدول الأعمال ملف الحرب في السودان، باعتباره إحدى أخطر الأزمات الإنسانية والسياسية في القارة منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع. البيان الختامي أدان بشدة التدخلات الخارجية في السودان، ودعا إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق حوار سوداني جامع يحفظ وحدة البلاد وسلامة أراضيها. كما سبق ذلك موقف صادر عن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد دعا الدول الأعضاء إلى عدم التعامل مع الدعم السريع ورفض إقامة كيانات موازية، مع التشديد على ضرورة تسريع الاستجابة الإنسانية للاحتياجات المتفاقمة.
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أكد في مداخلته أن إفريقيا ستظل أولوية قصوى للمنظمة الدولية، مشدداً على ضرورة تمثيلها الدائم في مجلس الأمن الدولي، ومعتبراً غياب مقعد دائم للقارة أمراً غير مبرر في عام 2026. وفي ما يتعلق بالسودان، أعلن التزام الأمم المتحدة بالضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار، مع العمل بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية وأطراف دولية أخرى لتهيئة الظروف السياسية لإنهاء الحرب. كما أشار إلى التوترات في منطقة القرن الإفريقي، معرباً عن أمله في تحقيق مصالحة بين إثيوبيا وإريتريا بما يسهم في استقرار الإقليم.
إلى جانب السودان، احتلت تطورات شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية موقعاً متقدماً في النقاشات، في ظل تصاعد القتال هناك. كما حضرت أزمات الساحل بقوة، خصوصاً في ظل انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وما يعكسه ذلك من تحولات في بنية النظام الإقليمي لغرب القارة. المخاوف من انتشار التغييرات غير الدستورية للحكومات كانت أيضاً حاضرة، مع تحذيرات من محاولات إضفاء شرعية على الانقلابات عبر تنظيم انتخابات لاحقة تمنح غطاءً شكلياً للسلطة.
وفي هذا السياق، انتقد الرئيس الأنغولي جواو لورينسو، الرئيس المنتهية ولايته للاتحاد الإفريقي، محاولات “تبييض” الانقلابات، مؤكداً أن إجراء انتخابات بعد استيلاء عسكري على السلطة لا يعني بالضرورة استعادة النظام الدستوري، وأن التساهل مع هذا المسار قد يشجع على مزيد من الانقلابات بحثاً عن شرعية عبر صناديق الاقتراع. هذا الموقف يعكس انقساماً ضمنياً بين ضرورات البراغماتية السياسية والحفاظ على مبادئ الاتحاد في رفض التغييرات غير الدستورية.
في المقابل، شهدت القمة حضوراً لافتاً لقادة عادوا إلى الاتحاد بعد فترات من التعليق بسبب انقلابات، ما أضفى بعداً عملياً على النقاش النظري حول الشرعية والانتقال السياسي. وقد عكست هذه المفارقة طبيعة اللحظة الإفريقية، حيث تتقاطع الاعتبارات المبدئية مع حسابات الاستقرار الإقليمي والواقعية السياسية.
القضية الفلسطينية شكلت محوراً مهماً في البيان الختامي ومداخلات عدة قادة. فقد طالبت القمة بمنح دولة فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، تماشياً مع ما وصفته برغبة أغلبية المجتمع الدولي، وأعلنت رفضها أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني قسراً إلى دول مجاورة. كما حذر البيان من تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة بسبب الحصار ومنع دخول المساعدات، مؤكداً التضامن الكامل مع الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال. هذا الموقف يعكس استمرارية تقليد إفريقي طويل في دعم القضية الفلسطينية ضمن خطاب مناهض للاستعمار والهيمنة.
في موازاة الملفات السياسية والأمنية، ناقشت القمة قضايا اقتصادية وتنموية محورية، أبرزها الديون التي تثقل كاهل العديد من الدول الإفريقية، ومنطقة التجارة الحرة القارية، والأمن المائي. رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، شدد على أن قضية المياه تمثل أساساً للتنمية، في إشارة إلى الترابط بين الموارد الطبيعية والاستقرار الاقتصادي والسياسي. وقد تولى رئيس بوروندي إيفاريست ندايشيميي الرئاسة الدورية للاتحاد، معلناً شعار عام 2026: “الوصول المستدام إلى المياه النظيفة والصرف الصحي”، في تأكيد على مركزية هذا الملف في أجندة القارة.
المعطيات التي طُرحت خلال القمة بشأن المياه والصرف الصحي عكست حجم التحدي التنموي، إذ لا يزال مئات الملايين من الأفارقة يفتقرون إلى مياه شرب آمنة وخدمات صرف صحي ملائمة، ما يجعل من هذا الشعار إطاراً استراتيجياً يتجاوز الرمزية إلى ضرورة عملية ترتبط بالصحة العامة، والتعليم والاستقرار الاجتماعي.
كما برزت مسألة الأمن المائي في سياق أوسع يتعلق بالسيادة على الموارد الطبيعية والتغير المناخي. غوتيريش حذر من أن إفريقيا تواجه آثار الاحترار العالمي أكثر من غيرها، رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات، داعياً إلى حشد دعم دولي أكبر لتمكين القارة من التكيف مع تداعيات التغير المناخي.
القلق من اضطراب النظام الدولي كان خيطاً ناظماً في كلمات عدد من المتحدثين. الإشارة إلى تراجع التعددية وتزايد التدخلات العسكرية خارج الأطر القانونية الدولية عكست إدراكاً إفريقياً بأن التحولات الجيوسياسية العالمية تؤثر مباشرة في أمن القارة واستقرارها. وفي هذا السياق، وُصف الاتحاد الإفريقي بأنه “منارة للتعددية” في عالم يشهد انقسامات متزايدة، ما يضع على عاتقه مسؤولية تعزيز التكامل السياسي والاقتصادي بين الدول الأعضاء بوصفه “مسألة بقاء”.
القمة، في مجملها، عكست محاولة إفريقية لإعادة تعريف الأولويات في ظل بيئة دولية مضطربة. فهي من جهة سعت إلى بلورة موقف موحد إزاء النزاعات الداخلية، وعلى رأسها السودان والكونغو الديمقراطية، ومن جهة أخرى حاولت تأكيد حضور القارة في القضايا العالمية، سواء عبر المطالبة بإصلاح مجلس الأمن، أو عبر تبني مواقف واضحة من القضية الفلسطينية، أو عبر التركيز على العدالة المناخية.
ورغم وضوح الخطاب السياسي، يبقى التحدي الأهم أمام الاتحاد الإفريقي هو ترجمة هذه المواقف إلى آليات تنفيذية فعالة، سواء في فرض وقف إطلاق النار في النزاعات القائمة، أو في معالجة جذور الهشاشة المؤسسية، أو في تعبئة الموارد لمشروعات البنية التحتية والمياه والصرف الصحي. فالقمة التاسعة والثلاثون لم تكن مجرد اجتماع دوري، بل انعقدت في لحظة اختبار لقدرة القارة على إدارة أزماتها بنفسها، وتعزيز وحدتها في مواجهة نظام دولي متغير.
بهذا المعنى، يمكن القول إن قمة أديس أبابا 2026 مثلت محطة اخرى في مسار الاتحاد الإفريقي، إذ جمعت بين الإقرار بعمق الأزمات وتأكيد الإرادة السياسية لمعالجتها، وبين التشديد على مبادئ الشرعية الدستورية وضرورة الواقعية في التعاطي مع تحولات السلطة في بعض الدول، وبين الانشغال بالأمن الصلب والنزاعات المسلحة والانتباه المتزايد للأمن الإنساني والبيئي. وهي مفارقات ستظل تحدد مستقبل العمل القاري في السنوات المقبلة.