القادسية… حين ارتفعت “الله أكبر” فوق هدير الفيلة وصهيل الخيل في أوائل رمضان
Mazin
عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
١٩ فبراير ٢٠٢٦
رمضان… ليس شهرًا عابرًا، بل نبضٌ حيّ في قلب التاريخ، حيث تصفو النفوس، ويعلو القلب فوق الجسد، ويصبح الصبر سلاحًا، والإرادة درعًا، والتكبير صوتًا يعلو على كل الأصوات.
في أوائل رمضان سنة 14هـ (نوفمبر 636م)، على أرض العراق، وقفت القادسية شاهدة على فصلٍ فارق من عمر الأمة “معركة القادسية”.
الشمس تضرب الرمل حتى يتوهّج، والهواء يتأرجح بين حرٍّ يخنق ونسيمٍ يحاول التخفيف. شممت رائحة التراب الممزوج بالعرق والزيت والحديد، وسمعت صهيل الخيل وهدير الفيلة يتصدّى للصمت، حتى صارت الأرض كأنها تنبض تحت الأقدام.
صفوف المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص، صائمون في نهار قائظ، وجوههم مغطاة بالغبار، وصدورهم ممتلئة باليقين.
كل نفسٍ يخرج منهم كان عهدًا، وكل خطوة على الرمل كانت تجربة للصبر والقرار.
أما جيش الفرس بقيادة رستم فرخزاد، فكان كجبالٍ من حديد، وراياتهم ترفرف، والدروع تتلألأ، والفيلة الضخمة تهدر كأنها الطبيعة نفسها صارت سلاحًا.
قبل أن تتقاطع السيوف، تقدّم ربعي بن عامر بخطوات ثابتة، وسيفٌ يبرق ببريق اليقين، لا ببريق الذهب، وقال:
“الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام،ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.”
لم تكن هذه الكلمات دعوةً إلى القهر، بل إعلان مبدأ، أن القوة إذا وُضعت في موضعها الصحيح تحمي الأرض والناس، وتوقف من يسعى لاستغلال الطريق أو تهديد الأمن، وأن الحق يُنصر بالكلمة والفعل معًا.
ثم بدأت الأيام الأربعة من المعركة التي خلدها التاريخ ..أرماث، يوم الصدمة الأولى، حيث التحمت الصفوف واختبرت الصلابة، والغبار جعل من النهار ليلًا.
أغواث، يوم اشتداد القتال وطلب الغوث، حيث تمايلت الصفوف لحظة ثم استقامت، وارتفع التكبير موجة بعد موجة.
عماس، يوم العَمَس والظلمة، حين غطّى الغبار الشمس واختلط صليل السيوف بصيحات الرجال، وكانت الأرض ثقيلة، لكن القلوب صلبة.
يوم القادسية، اليوم الرابع والفاصل، حيث سقط رستم، واهتزّت صفوف الفرس، وانكسر ميزان القوة القديم.
في تلك اللحظة، ارتفع التكبير: “الله أكبر!”، لا كصرخة نصرٍ عابرة، بل كإعلان عالمي أن الإرادة حين تتصل بالإيمان تستطيع قلب مجريات الزمان.
ليل رمضان أقبل هادئًا، ومرّ نسيم الفرات على الرمال، وصوت القرآن يتسلل بين الصفوف، والتكبير أصبح همس عبادة وصداه في القلب.
القادسية لم تكن مجرد معركة، بل درسًا خالدًا:
•القوة بدون عدل هي طغيان.
•النصر بدون حكمة لا يُخلّد.
•الإرادة إذا اجتمعت مع اليقين يمكن أن تغيّر وجه التاريخ.
في رمضان، حين يجوع الجسد ليقوى القلب، يُعلّم الصبر، ويصبح الثبات أساسًا للنصر، ويولد التاريخ من رحم العزم والعدل، وتكتب الحضارة بدموع الرجال ودماء المعركة، وتظل هذه الدموع والدماء شاهدةً على أمةٍ وضعت الحق في موضعه، وأعطت الرحمة سلطانها على القوة، وحفظت الإرث للأجيال وفي ضمائر من يأتي بعدهم، ليعرف أن النصر الحقيقي هو حين تُصان الحرية، وتُحفظ الحقوق، ويُقام العدل ويُرفع الظلم، ويعلو الحق في كل زمان ومكان.