الفنان الجيلاني الواثق. الغناء السوداني بعد الحرب.. معركة الذوق تبدأ من الأغنية
Mazin
في سودان يبحث عن طريق التعافي، لا تقتصر مهمة إعادة البناء على ما هدمته الحرب من مدن ومؤسسات، بل تمتد إلى الإنسان نفسه، إلى وجدانه وذاكرته ولغته وذائقته. وفي قلب هذه المعركة تقف الثقافة والفنون، وتحديداً الأغنية السودانية، بوصفها واحدة من أكثر أدوات التأثير حضوراً في المجتمع. فالأغنية السودانية لم تكن يوماً مجرد كلمات وألحان للتسلية؛ كانت ذاكرة للحب والوطن، ومساحة للفرح، وصوتاً للناس في أوقات الألم والأمل. لذلك فإن السؤال الذي تفرضه مرحلة التعافي ليس ما إذا كنا نريد الغناء، وإنما أي غناء نريد؟ وأي دور ننتظر من الأغنية في إعادة بناء الإنسان السوداني؟ حرية الإبداع لا تعني غياب المسؤولية لا يمكن بناء نهضة فنية حقيقية من دون حماية حرية الإبداع والتعبير. فالفنان يحتاج إلى مساحة للتجريب والاختلاف، والمجتمع الذي يتطلع إلى التعافي لا يستطيع أن يبني مستقبله بإقصاء الأصوات المتنوعة. لكن الحرية لا تعني غياب المسؤولية. فالأغنية حين تصل إلى ملايين المستمعين تتحول كلماتها إلى جزء من المشهد العام، وقد تؤثر في اللغة والسلوك والذائقة، خصوصاً لدى الشباب والمراهقين. ومن هنا تبرز الحاجة إلى معادلة متوازنة تحمي حرية الفنان، وتحترم في الوقت نفسه حق المجتمع في الحفاظ على ذوقه العام وتماسكه، بعيداً عن الرقابة القسرية أو الوصاية على الإبداع. «الغناء الهابط».. المشكلة في المحتوى لا في اختلاف الأذواق ليس من العدل اختزال المسألة في اختلاف الأذواق، فالفن بطبيعته متنوع، وما يراه أحدهم جميلاً قد لا يراه آخر كذلك. لكن الأزمة تبدأ عندما يصبح الإسفاف اللفظي، وتمجيد السلوكيات السلبية، وتشويه صورة العلاقات الإنسانية، أو البحث عن الإثارة والانتشار السريع، بديلاً عن القيمة الفنية. وتزداد خطورة الظاهرة مع منصات التواصل الاجتماعي التي جعلت الوصول إلى الجمهور أسرع من أي وقت مضى، بحيث يمكن لعمل محدود القيمة أن يتحول خلال أيام إلى مادة واسعة الانتشار والتأثير. ومع ذلك، لا يمكن تحميل الأغنية وحدها مسؤولية أزمات الشباب؛ فالسلوك نتاج الأسرة والمدرسة والظروف الاقتصادية والاجتماعية والإعلام والبيئة المحيطة. لكن تجاهل التأثير الثقافي والفني سيكون أيضاً قراءة ناقصة للمشهد. أغنية التعافي.. ماذا نريد أن نسمع؟ السودان في حاجة اليوم إلى أغنية تتحدث عن الأمل بقدر ما تعبر عن الألم، وعن السلام بقدر ما تستحضر الحرب، وعن العمل والإنتاج بقدر ما ترصد المعاناة. نحتاج إلى أغنيات تحتفي بالإنسان السوداني، بالمعلم والطبيب والمزارع والعامل والفنان، وبالمرأة والطفل، وبالمدن والقرى، وبالتنوع الثقافي الذي يمثل واحدة من أهم ثروات البلاد. والحل في مواجهة الظواهر السلبية ليس المنع، بل صناعة البديل: دعم المواهب الشابة، وإقامة مهرجانات ومسابقات للأغنية الجادة، وإعادة تنشيط دور الإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الثقافية، وتشجيع التعاون بين الفنانين والشعراء والملحنين والموسيقيين والمثقفين، إلى جانب تعليم الشباب مهارات النقد والاختيار في البيئة الرقمية. كما تقع على الإعلام مسؤولية كبيرة في إعادة تعريف النجاح؛ فعدد المشاهدات لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد، لأن المؤسسة الإعلامية التي تصنع النجوم قادرة أيضاً على المساهمة في صناعة الذوق. مشروع وطني للأغنية السودانية ربما آن الأوان للانتقال من مجرد نقد «الغناء الهابط» إلى التفكير في مشروع وطني لتطوير الأغنية السودانية، يقوم على اكتشاف المواهب، وتوثيق التراث، وتطوير صناعة الموسيقى، وتشجيع الإنتاج الجديد، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية السودانية. السودان يملك رصيداً هائلاً من التراث الموسيقي والغنائي، وتنوعاً ثقافياً قادراً على إنتاج صوت جديد يخاطب العالم دون أن يفقد جذوره. وفي زمن التعافي، لا ينبغي وضع الفنان في مواجهة المجتمع، ولا المجتمع في مواجهة الفنان. المطلوب علاقة جديدة تقوم على الحرية والمسؤولية معاً. فالأغنية لا تستطيع وحدها إصلاح المجتمع، لكنها قادرة على المساهمة في إصلاحه، كما تستطيع، حين تغيب المسؤولية، أن تساهم في إضعاف بعض قيمه. والأغنية السودانية أمام فرصة تاريخية: إما أن تظل أسيرة سباق المشاهدات والانتشار، أو تستعيد موقعها كقوة ناعمة تحمل ذاكرة السودان، وتعبر عن واقعه، وتمنح شبابه أملاً، وتقول له إن في هذا الوطن ما يزال يستحق أن نغني له.