العُربان وغطاء العريان!

عصام الحسين

بمقتضى الوقائع المُتراوحة بين ثنائية الأمن التبادلي الذي تستند فيه الحماية على التزام متكافئ، والأمن الوظيفي الذي يخدم شبكة مصالح أوسع تتجاوز حدود الدول، تتكشف أغراض الحضور الأمريكي العسكري في الخليج لا بوصفها جزءاً من منظومة حماية محلية، بل بكونها وسيلة ردعٍ لحمايةً مصالح اسرائيل في المنطقة! هذا إن كُنا نبتغي فهم الواقع كما هو، لا كما يُراد!

ولما طاب لأمريكا نشر قواعدها العسكرية في الخليج، بُسطت لها الجغرافيا ومُدَّ لها ما شاءت من تمويل وتسهيلات لوجستية بمظنة أن هذه القواعد تمنح دول الخليج مظلة ردع قوية، إلا أنه ومع أول اختبار حقيقي لفعالية منظومة الردع الأمريكي وهي تُمطر بوابلٍ من المسيرات والصواريخ الإيرانية، تكشفت مديات الخديعة وتشكَّل الوعي بمفهوم التحالف في الفكر الاستراتيجي الأمريكي المُستند على المصالح لا على المصائر، وان القواعد ليست ضمانة مُطلقة إنما هي مُجرَّد عنصر ضمن معادلة أمنية مُتحركة!

لا جدال، أن أمن إسرائيل يحتل مكانة مركزية في الاستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية؛ فهو ثابتٌ بنيوي في السياسة الداخلية والخارجية لواشنطن، يتغذى من اعتبارات تاريخية وأيديولوجية واستراتيجية، وتنظر أمريكا لأمن إسرائيل بوصفه ضرورة لهندسة توازن إقليمي أوسع عبر قواعدها العسكرية في الخليج، ثم تأتي بعد ذلك حماية تدفق النفط، وضمان استقرار الأسواق، وردع الخصوم الإقليميين، ومنع الفراغ الاستراتيجي الذي قد تملؤه قوى منافسة كبرى.. وفي لحظات الأزمات تتقدم أولوية أمن إسرائيل على غيرها، وهذا ما تجهله بعض العواصم الخليجية ولا تستشعره مخابراتها التي ما استدركت أن الشراكة غير متكافئة في لحظة الاختبار!

أظهرت الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، وردة الفعل الإيرانية تجاه قواعد ومصالح أمريكا في الخليج أن واشنطن أقل ميلاً للتورط المباشر في نزاعات المنطقة، وأكثر توجهاً نحو إعادة تموضع استراتيجي حصري لحماية اسرائيل. وهذا التحول ولّد تساؤلات مُلحة: هل علاقة الخليج مع الولايات المتحدة علاقة إدارة توازنات؟ أم أنها في الأصل كانت علاقة ارتهان؟! وهل تستيقظ دول الخليج يوماً ما على حقيقة أن استضافتها للقواعد العسكرية جعلتها جزءاً من معادلة دقيقة لتعزيز الأمن الاسرائيلي عبر ضغوط سياسية كبرى أصبحت بموجبها طرفاً أصيلاً في صراع قبولها به ليس محل نظر؟

وضح جلياً، أن الموقف الأمريكي من دول الخليج موقف إهمالٍ لصالح إسرائيل، ولم يكن التزاماً مُطلقاً بأمن الخليج، وتحكمه هندسة مصالح معقدة، تتداخل فيها حماية إسرائيل وأمن الطاقة واحتواء الخصوم وإدارة التوازن الدولي، أو كما نُسب للرئيس المصري الراحل حُسني مُبارك القول: (المتغطي بأمريكا عريان)!

Exit mobile version