Sudanese vendors sell vegetables in the central market of Khartoum on June 10, 2019, as most of the shops and businesses remained shut. - Residents generally stayed indoors in the Sudanese capital on June 11 as a nationwide civil disobedience campaign aimed at pressuring the military rulers entered a third day. (Photo by Ashraf SHAZLY / AFP) (Photo credit should read ASHRAF SHAZLY/AFP via Getty Images)
الخرطوم : حفية نورالدائم
مع اقتراب عيد الفطر، تعود أسواق الملبوسات في الخرطوم إلى الواجهة كمرآة دقيقة تعكس تعقيدات الواقع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد؛ فبين زحام المتسوقين وارتفاع الأسعار، تتشكل ملامح موسم استثنائي تحكمه معادلة حساسة بين الرغبة في إحياء طقوس العيد، وضغوط معيشية متزايدة تفرض على الأسر نمطاً جديداً من الاستهلاك قائم على الأولويات والضرورات.
ولا يبدو الانتعاش الحالي مجرد حركة شراء موسمية عابرة، بل يمثل مؤشراً على تحولات أعمق في بنية السوق، ترتبط بحجم السيولة المتاحة، وتدفقات التحويلات من الخارج، إضافة إلى تغير أنماط الإنفاق لدى المستهلكين. وبذلك، يتحول سوق الملبوسات إلى أحد أبرز المؤشرات الحية لقياس “نبض الاقتصاد” في هذه المرحلة، خاصة في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
حراك ملحوظ.. وإنفاق محسوب
رصدت جولات ميدانية لـ”إيلاف” نشاطاً متزايداً في عدد من الأسواق الرئيسية، خاصة في أم درمان وبحري، حيث توافدت الأسر بأعداد كبيرة لشراء احتياجات العيد، وسط أجواء يغلب عليها الحذر في اتخاذ قرارات الشراء.
ويلاحظ أن التركيز الأكبر ينصب على ملابس الأطفال، التي تظل أولوية اجتماعية لا يمكن تجاوزها، حتى لدى الأسر محدودة الدخل. غير أن هذا الإقبال، بحسب مراقبين، لا يعكس تعافياً اقتصادياً كاملاً، بقدر ما يعبر عن “طلب اضطراري” تحكمه اعتبارات ثقافية واجتماعية مرتبطة بضرورة الاحتفال بالعيد.
ويؤكد الطيب بابكر، تاجر بسوق أم درمان، أن السوق يشهد انتعاشاً نسبياً مقارنة بالفترات الماضية، لكنه يصفه بأنه “انتعاش حذر”، قائلاً:
“في حركة كويسة، لكن الزبون بقى يحسب كل حاجة.. ممكن يشتري قطعة واحدة بدل ثلاثة، أو يختار الأرخص حتى لو الجودة أقل”.
ارتفاع الأسعار يضغط على الطلب
في المقابل، يشكو عدد من المتسوقين من الارتفاع الملحوظ في أسعار الملبوسات هذا الموسم، حيث أصبحت بعض السلع خارج متناول شريحة واسعة من المواطني واشارو الي ان الأسعار ترواحت لبسات الأطفال من عمر 10 الي 15 مابين 50 الي70 الف جنيه فيما ترواحت أسعار فستاين البنات مابين 50الي 90 الف جنيه
أما عبايات الاستقبال المنزلية فترواحت أسعارها من 40 الي50 الف جنيه وترواحت أسعار الثياب مابين 75 الي 150
ويرجع التجار هذه الزيادات إلى عدة عوامل متداخلة، من بينها ارتفاع تكلفة الاستيراد، وتقلبات سعر الصرف، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والترحيل، خاصة في ظل التحديات اللوجستية التي تواجه حركة البضائع داخل البلاد.
ويشير أحد التجار إلى أن بعض الملابس المستوردة تضاعفت أسعارها مقارنة بالعام الماضي، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حجم المبيعات، ودفع الكثير من الزبائن إلى تقليل مشترياتهم أو البحث عن بدائل أقل تكلفة.
وفي ظل هذه المعطيات، برزت الأسواق الموجودة بالأحياء كخيار رئيسي لعدد كبير من الأسر، حيث توفر منتجات بأسعار تناسب مختلف الفئات، وإن كانت أحياناً على حساب الجودة.
وقد شهدت هذه الأسواق إقبالاً لافتاً هذا الموسم، ما يعكس تحوّلاً واضحاً في خريطة الشراء، إذ لم تعد الوجهات التقليدية الخيار الأول كما كان في السابق.
وتقول احسان عمر “ربة منزل “
“كنا بنشتري من المحلات الكبيرة، لكن الأسعار بقت صعبة شديد.. السنة دي اعتمدنا على السوق الشعبي عشان نقدر نلبس الأطفال بدون ما نضغط على ميزانية البيت”.
تحولات في سلوك المستهلك
من جانبهم، يؤكد خبراء اقتصاديون أن ما يشهده السوق يعكس تحولاً عميقاً في سلوك المستهلك السوداني، الذي أصبح أكثر حذراً ووعياً في إدارة إنفاقه، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويشير الخبراء إلى أن المستهلك لم يعد يتخذ قرارات الشراء بشكل عفوي، بل أصبح يقارن بين الأسعار، ويفاضل بين الجودة والتكلفة، ويعيد ترتيب أولوياته بما يتناسب مع دخله المحدود.
ويري الخبير الاقتصادي دكتور محمد عبدالله
المستهلك الآن لا يتخلى عن العيد، لكنه يعيد تعريفه اقتصادياً.. يركز على الأساسيات ويقلل من الكماليات، وهذا ما يفسر زيادة الحركة في الأسواق مع انخفاض متوسط الإنفاق”.
دور التحويلات في تنشيط السوق
واضاف تلعب التحويلات المالية من المغتربين دوراً مهماً في تحريك الأسواق خلال المواسم، خاصة مع اقتراب عيد الفطر، حيث تعتمد العديد من الأسر على هذه التحويلات لتغطية نفقات العيد.
ويؤكد تجار أن السوق يشهد عادة نشاطاً ملحوظاً بالتزامن مع وصول هذه التحويلات، ما يساهم في زيادة السيولة وتحريك عجلة البيع، ولو بشكل مؤقت.
غير أن هذا العامل، بحسب اقتصاديين، لا يكفي وحده لإحداث انتعاش مستدام، في ظل التحديات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد
مؤشرات تتجاوز الملبوسات
ويرى مراقبون أن سوق الملبوسات لا يعكس فقط حركة الاستهلاك، بل يقدم قراءة أوسع للوضع الاقتصادي، من حيث مستوى السيولة، وثقة المستهلك، وقدرته على الإنفاق.
فارتفاع الإقبال، رغم الظروف، يعكس تمسك المجتمع بعاداته وتقاليده، بينما يكشف تراجع حجم المشتريات عن ضغوط معيشية حقيقية، ما يجعل السوق مؤشراً مزدوجاً يجمع بين الأمل والتحدي.
موسم بين الفرح والضغوط
في المحصلة، يبدو موسم الملبوسات هذا العام مختلفاً في طبيعته؛ فهو ليس موسم ازدهار بالمعنى التقليدي، بل موسم “تكيّف اقتصادي”، تحاول فيه الأسر تحقيق الحد الأدنى من متطلبات العيد، دون الانزلاق إلى أعباء مالية إضافية.
وبينما تظل الأسواق مكتظة بالحركة، فإن ما يجري خلف هذا الزحام هو قصة أعمق؛ قصة مجتمع يسعى للحفاظ على فرحته، رغم تعقيدات الواقع، عبر إنفاق محسوب، واختيارات دقيقة، تعكس وعياً متزايداً بطبيعة المرحلة.
وفي ظل هذه المعادلة، يظل السؤال قائماً: هل هذا الانتعاش الموسمي يمكن أن يتحول إلى مؤشر لتعافٍ اقتصادي حقيقي، أم أنه مجرد استجابة مؤقتة تفرضها مناسبات اجتماعية لا تحتمل الغياب؟
الإجابة، كما يرى الخبراء، ستظل رهينة بقدرة الاقتصاد على استعادة توازنه، وتحسين مستويات الدخل، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للأسواق، بما يسمح بتحول هذا الحراك الموسمي إلى نشاط اقتصادي مستدام.