فما أرى عادل الباز 1 بالأمس، عاد الشيخ ديدان وزوجته إلى أرض الوطن… ولكنهما لم يجدا الوطن في استقبالهما؛ وجدا ثلّة من الأهل وعارفي فضلهما، أخذوهما بالأحضان، وقادوهما إلى خارج صالة المطار في صمت مريب! لعلكم الآن تسألون: ومن هو الشيخ ديدان الذي تفتح له صحيفة «الأحداث» عنوانها الرئيسي، وتمنحه صدر صفحتها الأولى؟ لا أحد سيتذكر الشيخ ديدان، ولا زهراته الأربع من الشهداء، الذين حصدتهم نيران حروب السودان التي لا تنتهي.
2
إن قصة الشيخ دفع الله علي ديدان ليست مجرد حكاية عابرة في دفتر الأحداث اليومية، بل هي ملحمة تاريخية وإنسانية تجسّد أعمق معاني الانتماء والصبر في جبال النوبة ومنطقة تلودي بولاية جنوب كردفان. هذه البقعة الصامدة من أرض السودان طالما كانت مهد الأبطال، من فيروي إلى علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ وغيرهم.
في مقال له، استدعى الكاتب أَبَّشَر رَفَّاي مثلاً شعبياً شائعاً في تلودي، يقول: «العود برمي جميراتو»، في إشارة إلى أن الأبناء امتداد طبيعي لآبائهم وأصولهم، مبيّناً أن الأشقاء الأربعة جسّدوا هذا المعنى بصورة كاملة؛ إذ استشهدوا تباعاً في ميادين المعارك، وهم يحملون ذات الروح والإيمان بالقضية التي تربّوا عليها.
فقد سقط الشهيدان النذير وخالد، ابنا ديدان وآمنة، في معارك مبكرة ضد قوات الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو؛ إذ استشهد النذير في معركة الخزان بتلودي، فيما استشهد خالد داخل تلودي، خلال الأحداث التي شهدتها المنطقة في السادس من يونيو 2011م.
أما الشهيد القائد علي دفع الله علي ديدان، فقد كان من أبرز المقاتلين الذين شاركوا في معارك الغبشة وأم روابة والرهد والسميح، حتى حدود جبل كردفان، قبل أن يساهم في فك الحصار عن الدلنج وكادقلي. ولحق به سريعاً شقيقه الأصغر زاهر، الذي واصل ذات الطريق، حتى استشهد في معارك التُّكْمَة وهبيلا، بعد مشاركته في عمليات عسكرية واسعة لتحرير عدد من المناطق.
ويقول الصحفي المميز إسماعيل تيسو: «حظيت الرسالة التي بعثت بها أم الشهداء، الحاجة آمنة، إلى ابنها زاهر، قبل ساعات من استشهاده، بتداول واسع على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لما حملته من صدق وعفوية وإيمان عميق. ففي رسالتها الطويلة، تحدثت الأم بلغة الدعاء والثبات والرضا بقضاء الله؛ لم تخف أو تنكسر وهي تخاطب أبناءها المقاتلين بقولها: “ربنا يثبت أقدامكم وينصركم ويحفظكم من الدانات والطلقات والمسيرات”. وكان أكثر ما أثار التأثر في الرسالة قولها: “الموت دا الزول كان في سريره بيموت، الجاية كان في سريرك بتجيك”».
انتهى الاقتباس من تقرير الأستاذ إسماعيل تيسو، سلمت يداه.
هكذا رمى العود جميراته الأربع؛ مضى الأبناء، وبقي الأصل واقفاً، يحمل وجع الفقد وثقل الذاكرة.
3
تلك هي القصة، وهذا هو الشيخ ديدان، وهذه زوجته آمنة، أم الشهداء الأربعة. فهل تذكرتموهما؟ هل منكم من تذوّق حرقة الحشا؟ هل سبق أن وسّدتم ابناً لكم أو ابنة داخل مقبرة؟ أنا فعلت… يا لها من فاجعة كاملة تصيبك بدوار، وأنت على أطراف المقبرة… وأنت في جوف المقبرة تدفن بعضاً منك… وتزفّ دمعاً ودماً… هذه هي حرقة الحشا… أنت لا تبكي، ولكنك تنزف من الداخل والخارج…
قولوا لي، بربكم: أيّ طاقة من الصبر يهبها المولى، عز وجل، لرجل احترق حشاه أربع مرات بالطريقة نفسها… شهيد تلو شهيد؟! وأيّ أمّ هي آمنة، تلك التي احتملت عذابات حرقة الحشا أربع مرات؟!
4
أرجو أن أكون قد أنعشت ذاكرتكم… ولكن ليست تلك قضيتي؛ ما حزّ في نفسي أن هذه الأسرة لم تجد الاحتفاء الذي يليق بها.
ليست القضية زحاماً في صالة الوصول، ولا عدساتٍ تلاحق الوجوه؛ القضية أن يشعر هذان الأبوان بأن الوطن يعرف ما فقداه، وأن أبناءهما لم يغيبوا عن ذاكرته كما غابوا عن بيتهما.
لم يكن في صالة المطار إلا بضعة أشخاص من الأسرة، وبعض رفقاء الشهداء الأربعة… إذن، أين الدولة؟ وأين ساستها؟ وأين قادة القوات المسلحة؟ بل أين الشعب؟ لا بد أنهم لم يسمعوا بعودة ديدان وزوجته! وكيف يسمعون بـ«عودتهما الميمونة»؟ هما من بسطاء الناس، وقد وهبا فلذات أكبادهما لهذا الشعب لكي يعيش وينتصر، بثبات عجيب ومقدرة على التضحية والفداء.
5
لو أن الحاج ديدان كان ينتمي إلى سواقط السوشيال ميديا وحثالاتها، لفاض المطار بالمستقبلين. ولو أن الحاجة آمنة — لا سمح الله — كانت «قونة» من القونات الراقصات ذوات «الترلات»… لرأيت، ثم رأيت، أن المطار قد امتلأ عن بكرة أبيه بالرقص والزغاريد والغنج! بل لرأيت بعض ذوي الدبابير التي تلمع على أكتاف كثيرة في طلائع المستقبلين. ولو أنهما من «الراستات» والواقفين «قنا»، من ذوي البنطلونات الناصلة، الراقصين والراقصات على تفاهات موسيقى فاجرة، لتحوّل مدرج المطار إلى مسرح سهرات راقصة!
ولكن عمّ ديدان وزوجته أبٌ وأمٌّ لأربعة باعوا أرواحهم رخيصة ليفدوا الوطن، فمن يعبأ بهما؟!
كان ينبغي أن يُعرف تاريخ عودة ديدان وآمنة، وأن يُنظَّم لهما استقبال رسمي بموسيقى الجيش، وأن تهبّ الخرطوم — التي تنعم الآن بالأمن والهدوء — لتكافئ الذين جعلوا ذلك ممكناً بتضحياتهم، وأن تحتفي بأهلهم العائدين إلى الوطن؛ فلولا تلك التضحيات، لما كانت هذه العودة ممكنة.
وليس الوفاء يوماً في المطار ثم ينتهي؛ بل سؤالٌ دائم عن أحوالهما، ورعايةٌ كريمة تحفظ استقلالهما وكرامتهما، وتوثيقٌ لسيرة أبنائهما يصون أسماءهم من النسيان. لا شيء يعوّضهما عمّن فقدا، ولكن الاعتراف بفضلهما بعض ما نستطيع.
تذكّروا أن الشهداء أكرم منا جميعاً؛ فقليلٌ من الوفاء لهم ولأهلهم.
مرحباً عمّي ديدان، ومرحباً ستّنا، وتاج رؤوسنا، وأمّنا جميعاً، آمنة… عدتما إلى الوطن، وكان حقكما أن تجداه في استقبالكما. لا نملك أن نردّ إليكما أبناءكما، ولكننا نملك ألا نترككما وحدكما مع الفقد. فليكن لهذا الوطن، الذي حملتما وجعه، متّسعٌ يحمل بعض وجعكما.