العمل المشترك؛ هل هو امتحان نقاء ام امتحان نجاة؟

عن د.صديق الزيلعي والحزب الشيوعي السوداني
د.ناهد محمد الحسن

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس السياسة بمدى صحة الموقف، بل بمدى قدرته على الفعل. هذه حقيقة قاسية، لكنها من أكثر الحقائق رسوخًا في علم السياسة. فالتاريخ الحديث مليء بقوى كانت على حق أخلاقيًا، لكنها خسرت لأن “الحق” وحده لا يصنع أثرًا، ولا يحمي مجتمعًا، ولا يوقف حربًا.

علم السياسة، منذ ماكس فيبر مرورًا بتشارلز تيلي، يميّز بوضوح بين الشرعية الأخلاقية والقدرة السياسية. الأولى تتعلق بالقيم والمواقف، والثانية تتعلق بالفعل والتنظيم والتحالف والواقعية. في أزمنة الاستقرار، قد تتقاطع الاثنتان. أما في أزمنة الحرب والانهيار، فإن الفجوة بينهما تتسع بشكل خطير. السياسة في هذه اللحظات لا تُكافئ من كان على حق، بل من استطاع أن يعمل، أن يتحمّل التناقض، وأن يُبقي المجال العام حيًا.

هذا لا يعني تبرير الانتهازية أو التفريط في المبادئ، بل يعني إدراك أن الأخلاق، حين تنفصل عن القدرة، تتحول إلى عزلة. وأن الموقف، حين لا يُترجم إلى فعل جماعي، يصبح عبئًا على أصحابه قبل خصومهم.

من هنا يمكن فهم أحد أكثر المآزق شيوعًا في التجارب الثورية غير المكتملة: احتكار التمثيل. علم السياسة يسمّي هذه الظاهرة “Monopoly of Representation”، حين تعتقد جهة ما أنها المعبّر الشرعي الوحيد عن “الشعب” أو “الثورة” أو “المدنيين”. في هذه اللحظة، يتحول الدفاع عن المعنى إلى دفاع عن الموقع، ويتحول الاختلاف إلى تهديد، لا إلى مورد سياسي.

القوى التي تخشى فقدان السيطرة على السردية، تفقد تدريجيًا السيطرة على الواقع. لأنها تبدأ في محاربة المبادرات المستقلة، لا الخصم الحقيقي. وتتعامل مع أي فعل لا يمر عبرها بوصفه انحرافًا، لا إضافة. هكذا يُشلّ الفعل الجماعي باسم المبدأ، وتُستنزف الطاقة في صراعات داخلية لا ينتج عنها سوى المزيد من التفتت.

لكن الأخطر من ذلك، كما تُظهر الأدبيات السياسية المقارنة، هو إسقاط منطق السياسة في زمن السلم على زمن الحرب. السياسة في زمن الحرب تخضع لقواعد مختلفة جذريًا. في زمن السلم، تكون النقاشات الأيديولوجية ضرورية، والتمايزات التنظيمية صحية. أما في زمن الحرب، فالأولوية لا تكون للنقاء الفكري، بل لوقف العنف، وحماية المدنيين، ومنع انهيار المجتمع بالكامل.

لهذا تقول الأدبيات بوضوح: من يرفض العمل المشترك في زمن الحرب، بحجة الاختلاف، يساهم – ولو دون قصد – في إطالة أمد الصراع. ليس لأنه خائن، بل لأنه يتعامل مع واقع استثنائي بأدوات زمن عادي.

علم الاجتماع يضيف طبقة أعمق لهذا الفهم. المجتمعات التي تعيش صدمة جماعية طويلة لا تتحرك بمنطق “الصحيح” بقدر ما تتحرك بمنطق “الآمن”. الناس في هذه السياقات لا تسأل: من يحمل البرنامج الأدق؟ بل تسأل: من يقلل الخطر؟ من يوفّر حدًا أدنى من الأمان؟ من يبدو قادرًا على الفعل؟

حين ترى هذه المجتمعات قوى مدنية تتشاجر، تتبادل التخوين، وتعجز عن العمل معًا، يحدث ما يسميه بيير بورديو انسحاب الثقة الرمزية. المجتمع لا يعاقب هذه القوى أخلاقيًا، بل يسحب اعترافه بها كآلية بقاء. ليس لأن الناس تخلوا عن القيم، بل لأنهم لم يعودوا يرون في هذه القوى حماية ممكنة.

وهنا تظهر خطورة الصراعات الأفقية. علم الاجتماع السياسي يؤكد أن الصراعات داخل المعسكر الواحد أكثر تدميرًا من الصراعات مع الخصم. لأنها تستنزف الطاقة، وتحوّل الخلاف إلى هوية، وتجعل الاختلاف تهديدًا وجوديًا. في هذه اللحظة، لا يعود التوقيع فعلًا سياسيًا، بل “خيانة”، ولا يعود الحوار مساحة، بل “تنازلًا”.

من منظور علم النفس الاجتماعي، التخوين في هذه السياقات ليس دائمًا موقفًا سياسيًا واعيًا، بل كثيرًا ما يكون آلية دفاع نفسي. حين يشعر الفاعل السياسي بفقدان التأثير والعجز وتآكل المكانة، يلجأ إلى رفع سقف الأخلاق ونزع الشرعية عن الآخرين لحماية ذاته الرمزية. هذه الآلية تُريح الفرد نفسيًا، لكنها تُدمّر المجال العام، لأنها تستبدل السياسة بالمحاكمة، والفعل بالإدانة.

التجارب التاريخية تؤكد هذا التحليل. جنوب أفريقيا، كولومبيا، وإيرلندا الشمالية لم تبدأ بوحدة فكرية ولا بتوافق كامل، بل باتفاق حدّي على وقف العنف، وإدارة الخلاف لا حسمه، وتأجيل الصراعات الكبرى لصالح حماية المجتمع. في المقابل، غرقت تجارب مثل ليبيا وسوريا واليمن في تخوين متبادل ونقاء رمزي بلا فعل، ففقدت السياسة معناها، وتركته للسلاح.

الخلاصة التي تجمعها العلوم الإنسانية واضحة:
علم السياسة يقول إن لا سياسة بلا قدرة على العمل المشترك.
علم الاجتماع يقول إن لا شرعية بلا ثقة اجتماعية.
وعلم النفس السياسي يقول إن التخوين يريح الذات لكنه يقتل الفعل.

لهذا، فإن العمل المشترك في زمن الحرب ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل ضرورة بنيوية. ومن يرفضه لا يبدو أكثر مبدئية، بل أكثر انفصالًا عن شروط الواقع. السياسة، فالامتحان في تقديري ، ليس امتحان نقاء، بل امتحان نجاة.

Exit mobile version