العملية السياسية في السودان بين الارتباك البنيوي وغياب الرؤية الشاملة (2019–2026)
Mazin
أمية يوسف حسن أبوفداية
منذ سقوط نظام الحكم في عام 2019، لم تنجح العملية السياسية في السودان في الاستقرار على رؤية وطنية واضحة أو مسار متماسك يقود إلى انتقال سياسي مستقر. بل اتسمت تلك المرحلة بمحطات متقطعة ومتقاطعة، تحكمها ردود الأفعال أكثر من التخطيط الاستراتيجي، وتغلب عليها التسويات السياسية المؤقتة بدلاً عن الحلول الجذرية.
هذا الخلل البنيوي جعل الوثائق السياسية، وعلى رأسها الوثيقة الدستورية، عرضة للنقض الجزئي أو الكلي من قبل القوى نفسها التي شاركت في صياغتها والتوقيع عليها.
أبرز مثال على ذلك، بند تشكيل المجلس التشريعي خلال ثلاثة أشهر من توقيع الوثيقة الدستورية، وهو بند جرى تجاهله عملياً، ما أفرغ الوثيقة من أحد أهم مرتكزات الرقابة والتشريع، وأدى إلى تركيز السلطة التنفيذية دون توازن مؤسسي. هذا التعطيل لم يكن عرضياً، بل يعكس غياب الإرادة السياسية والاتفاق الحقيقي حول طبيعة الدولة الانتقالية ومهامها.
اليوم، يُعاد طرح قضية المجلس التشريعي، لكن في سياق أكثر تعقيداً واضطراباً (سياسيا وامنيا واجتماعيا). إذ يجري الحديث عنه في ظل وجود حركات مسلحة تفرض استحقاقاتها السياسية وفق منطق المحاصصة والقوة، استناداً إلى اتفاق سلام 2020، حيث برزت أسماء بعينها مثل جبريل إبراهيم، مني أركو مناوي، الهادي إدريس، والطاهر حجر. والمفارقة أن معظم هذه القيادات تنتمي إلى إطار اجتماعي واحد تقريباً، رغم أن إقليم دارفور يضم عشرات القبائل والمكونات، فضلاً عن أن ما يقارب نصف قيادات هذه الحركات قد انحازت لاحقاً إلى التمرد المسلح ضد الدولة.
الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الحركات لا تزال تحتفظ بقواتها المسلحة، بل وتفتح معسكرات للتجنيد، في تناقض صارخ مع الحديث المتكرر عن جيش وطني واحد، وبرامج الدمج والتسريح وإعادة الإدماج. ويبرز هنا تباين واضح، حين نقارن ذلك بما قامت به قوات الحركة الشعبية – جناح مالك عقار – من خطوات عملية في اتجاه الدمج، مقابل سلوكيات أخرى تعمق الانقسام العسكري وتضعف الدولة.
إن أي عملية سياسية قاصرة، أو متناقضة، أو غير محكومة بخطة متكاملة وجداول زمنية واضحة، لن تقود إلى الاستقرار المنشود، بل ستنتج عكس ذلك تماماً. فهي تفتح الباب أمام استيعاب طامحي سلطة لا يقدمون إضافة حقيقية للحكم، لكونهم قيادات معطوبة سياسياً، تُعاد تدويرها في ظروف غير طبيعية، ووفق معايير تقوم على سوابق المشاركة أو العلاقات الخاصة، لا على الكفاءة أو النزاهة أو القبول الشعبي.
انطلاقاً من ذلك، يصبح من الضروري إعادة تعريف أولويات المرحلة، عبر خطوات عملية ومحددة، أبرزها :
أولاً : تكوين مجلس تشريعي محدود العدد، قائم على الكفاءات الوطنية، كجزء من عملية انتقالية متكاملة، بمهام واضحة تشمل الإعداد للانتخابات العامة وتأسيس المفوضيات، ولمدة لا تتجاوز عاماً واحداً.
ثانياً : تنفيذ برنامج جاد لدمج وتسريح جميع القوات المساندة، وحصر السلاح بيد القوات المسلحة.
رابعاً : إلغاء مجلس السيادة بصيغته الحالية، والاكتفاء بترتيب تنفيذي واقعى : الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً، الفريق شمس الدين كباشي نائباً، والفريق ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان، والفريق إبراهيم جابر رئيساً للوزراء.
خامساً : تكوين مفوضيات مستقلة للعدالة الانتقالية، ومحاربة الفساد، والإصلاح القضائي، والانتخابات.
إن استقرار السودان لن يتحقق عبر تسويات هشة، بل من خلال إرادة سياسية حاسمة، وبناء مؤسسي صارم، وقطع الطريق أمام العبث باسم الشراكة أو السلام.