العدوان الثلاثي (الإمارات / إثيوبيا / إسرائيل) على السودان
Mazin
فيما أرى
عادل الباز
1
كشف تقرير استقصائي لموقع دارك بوكس (Dark Box Intelligence) ” بعنوان”رحلات إماراتية مرتبطة بحرب السودان تُرصد من إسرائيل إلى إثيوبيا وسط تصاعد الصراع الخليجي Dark Box Exclusive Report UAE Flights Linked to Sudan War Tracked From Israel to Ethiopia as Gulf Rivalry Deepen وهو موقع متخصص في الشؤون الاستخباراتية، كشف بتاريخ بتاريخ 22 يناير 2026، عن تحركات طائرة شحن من طراز أنتونوف AN-124 رقم التسجيل UR-ZYD، المرتبطة بشبكات لوجستية إماراتية، بين قواعد عسكرية في الخليج وإسرائيل وإثيوبيا، مرورًا بقاعدة حرار ميدا الجوية الإثيوبية ومطار بولي الدولي في أديس أبابا.الشى الذى أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور الإقليمي المتنامي لإسرائيل وإثيوبيا في الحرب في السودان، خاصة بعد انكشاف الدور الإماراتي. لنبدأ بقصة الطائرة، ثم نتتبّع الدور الإسرائيلي والاثيوبى في العدوان على السودان مقرونا بالدور المعلوم للامارات.
2
الطائرة المذكورة من طراز أنتونوف تديرها شركة Maximus Air المرتبطة بمنظومة الشحن الجوي في أبوظبي، نفّذت تلك الطائرة سلسلة رحلات منتظمة بين مطار أبوظبي وقاعدة الظفرة العسكرية من جهة، وقاعدة حرار ميدا الجوية الإثيوبية من جهة أخرى، مع توقفات لاحقة في مطار بولي الدولي بأديس أبابا.
وأشار تقرير دارك بوكس إلى أن نمط الرحلات وتكرارها والفترات القصيرة للتوقف الأرضي توحي بوجود نشاط لوجستي منظم ذي طابع أمني، وليس مجرد عمليات شحن تجاري اعتيادية. ووفق التقرير، فإن الطائرة نفسها نفّذت، قبل رحلاتها إلى إثيوبيا، عدة رحلات بين قاعدة عسكرية في البحرين ومنشأة يُعتقد أنها تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي في قاعدة عوفدا جنوب إسرائيل. ومن جهة اخرى حللت Middle East Eye بيانات تتبّع الرحلات الجوية للطائرة ، وكشفت عن نمط متكرر من الرحلات بين أبوظبي وقاعدة حرار ميدا الجوية الإثيوبية بواسطة طائرة ذات الطائرة
في 3 يناير: أقلعت الطائرة من أبوظبي إلى حرار ميدا، ثم عادت بعد أقل من ساعتين.
في 12 يناير: حلّقت من قاعدة الظفرة العسكرية إلى حرار ميدا ثم عادت.
في 15 يناير: تكررت الرحلة للمرة الثالثة.
في 17 يناير: حلّقت مرة أخرى إلى حرار ميدا، ثم واصلت إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا.
وقبل ذلك بأيام، بين 28 و31 ديسمبر، نفّذت الطائرة ثلاث رحلات بين قاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين وقاعدة عوفدا الجوية الإسرائيلية في صحراء النقب.وقال ناثانيال ريموند، مدير مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل:”إن تكرار هذه الرحلات بطائرة بهذه القدرة على حمل العتاد العسكري يجب أن يثير قلقًا عالميًا”. واكد موقع ميدل ايست اى نقل عن مصدر استخباراتي سوداني قوله (إن الدعم السريع اشترى ما لا يقل عن ست طائرات مقاتلة من طراز سوخوي ومقاتلات ميغ، تُفكك ثم تُنقل عبر طائرات شحن من الإمارات إلى إثيوبيا أو إلى قاعدة الكفرة في شرق ليبيا).
3
قبل ذلك، وفي الخامس من مايو 2025، حطّ وزير الخارجية الإسرائيلي في أديس أبابا في زيارة رسمية وُصفت علنًا بأنها تهدف إلى “تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي”. ولكن خلال الزيارة، بحث الوزير الإسرائيلي مع كبار المسؤولين الإثيوبيين ملفات التعاون الأمني والاستقرار الإقليمي، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالنزاعات العابرة للحدود، وفق بيانات رسمية صادرة عن الطرفين.
توقيت الزيارة وسياقها الإقليمي فتحا باب التساؤلات عن الأهداف الحقيقية وراءها، وكانت تقارير استخباراتية أكدت أن الإسرائيليين هم من يتولّون تدريب قوات الدعم السريع. ونشرت عدد من المؤسسات البحثية صورًا عبر الأقمار الصناعية لمواقع تحت الإنشاء في إثيوبيا تُستخدم كمعسكرات للدعم السريع، وتظهر خيامًا وعددًا كبيرًا من المعدات في تلك المواقع. وأشارت صور الأقمار الصناعية وتقارير صحفية إلى وجود معسكرات تدريب لقوات الدعم السريع في مناطق حدودية بإقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، بالقرب من الحدود مع السودان، خاصة في مناطق مثل بامباسي (Bambasi) وأخرى قريبة من خط الحدود. ونشرت تلك التقارير صورًا لمعدات وآليات في المعسكرات، وقدّمت تقديرات، وأكدت المصادر أن المعسكرات تستضيف آلاف المقاتلين (قد تتجاوز 10,000) من قوات الدعم السريع، موزعين على مواقع تدريب في مناطق مثل Menqi وAl-Ahmar في منطقة Ondlo بالقرب من الحدود.
وقال مسؤول سودانى لصحيفة سودان تريبيون فى 27ديسمبر 2025 (أن إثيوبيا فتحت أراضيها لتدريب مقاتلي الدعم السريع والقوات المتحالفة معها في أربع مناطق حدودية داخل إقليم بني شنقول-قمز، المحاذي لإقليم النيل الأزرق). وأضاف أن معسكرات التدريب — التي تضم قوات الدعم السريع، والحركة الشعبية – شمال (جناح جوزيف توكا)، وقوات موالية لعبيد أبو شوتال، إضافة إلى مرتزقة من إثيوبيا وجنوب السودان — جرى تزويدها بمعدات عسكرية استعدادًا للهجوم.كما أفاد المسؤول لذات الموقع بأن الحكومة اكتشفت وصول كميات كبيرة من المعدات العسكرية من دولة الإمارات إلى قاعدتين جويتين داخل إقليم بني شنقول، يُتوقع استخدامها في الهجوم على الكرمك وقيسان.كما تداول ناشطون صورًا ملتقطة بالأقمار الصناعية تُظهر اكتمال بناء حظيرتين جديدتين للطائرات في مطار أصوصا، إلى جانب أعمال إنشاء وتطوير مستمرة شملت تسوية الأرض وتحسين المرافق.
وكان موقع الجزيرة نت نقل عن مسؤول حكومي في 8 ديسمبر قوله ( إن السودان يستعد لفتح جبهة عسكرية جديدة بعد أن سمحت إثيوبيا بإنشاء معسكرات تدريب لقوات الدعم السريع ومرتزقة أجانب متحالفين معها.مؤكدا أن السلطات الإثيوبية تنسق عسكريًا مع الدعم السريع عبر قوى إقليمية داعمة، وأن هذا الاتفاق يشمل خطوط إمداد وإعداد مدارج هبوط، مع وصول مركبات قتالية وأنظمة مدفعية وأجهزة تشويش بالفعل عبر مدينة أصوصا.
4
في 21 يناير نشر2026 موقع ميدل ايست اى Middle East Eye قال فيه (ان أدى الغموض الذي يحيط بمستقبل القواعد الإماراتية في بربرة وبوصاصو، بعد أن ألغت الحكومة الصومالية كل الاتفاقيات مع أبوظبي، مما ادى إلى إعادة نشر عناصر إماراتية داخل إثيوبيا، والتي أصبحت – وفق مصادر متعددة، بينها مستشار سابق للحكومة الإثيوبية – عنصرًا مركزيًا في الاستراتيجية الإماراتية في المنطقة.وقال المستشار، الذي عمل أكثر من عشر سنوات مع حكومة أديس أبابا، إن رئيس الوزراء آبي أحمد “يبدو مقتنعًا بأن مستقبل إثيوبيا يكمن في التحالف الوثيق مع الإمارات”. واضاف “يعتقد بعض المسؤولين في الخارجية الإثيوبية وغيرها أن الإمارات هي من كانت توجه سياسة إثيوبيا تجاه الحكومة السودانية والدعم السريع وحتى إريتريا وميناء عصب خلال العامين الماضيين”.
5
تاكدت المؤامرة حين تم تدمير كل المتحركات في منطقة خور يابوس (داخل السودان) الأسبوع الماضي، القادمة من بني شنقول، حيث المعسكرات في بني شنقول، وكان هذا المتحرك تابعًا لجوزيف توكا، التي جرى إعداد قواته وتدريبها وتسليحها في معسكرات أصوصا تحت سمع وبصر ومساعدة إثيوبيا، وبتمويل كامل من الإمارات. ومؤخرًا سحبت الإمارات آلياتها من الصومال، من منطقة بونتلاند، بعد طردها من كل الأراضي والموانئ الصومالية، وهو الأمر الذي أُعلن رسميًا الأسبوع الماضي، فدفعت كل أسلحتها المخزنة في بونتلاند إلى معسكرات المليشيا بمنطقة أصوصا.
6
إن مجمل الوقائع الواردة في هذا المقال — من مسارات الطائرات العسكرية، إلى المعسكرات العابرة للحدود، إلى الزيارات الدبلوماسية ذات الطابع الأمني، إلى شبكات الدعم اللوجستي والمالي — ترسم صورة واحدة لا يمكن تجاهلها: وجود تقاطع مصالح واضح بين الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل في إطالة أمد الحرب في السودان وتسعيرها بدل الدفع نحو إيقافها.
فكل طرف من هذا التحالف غير المعلن يؤدي دورًا محددًا: الإمارات بالتمويل والتسليح، إثيوبيا بفتح الأرض والمجال الحيوي والمعابر، وإسرائيل بالدعم التقني والاستخباراتي. والنتيجة ليست فقطدعم المليشيا، بل تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوحة تُدار من خارج حدوده وتُدفع كلفتها من دماء شعبه ومستقبله.
7
لايمكن قبول استمرار العدوان المركب على السودان. ومن هنا، فإن معركة السودانيين اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضًا معركة وعي يكشف التدخلات الخارجية، حتى لا يبقى الوطن رهينة لتحالفات سوداء تُدار في الظل وتُنفَّذ على أرضه. ضوء هذا التشابك المعقّد بين المسارات الجوية، والتحركات العسكرية، والزيارات الدبلوماسية، والتقارير الاستخباراتية، لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي،بل دخل كواحد من انظمة الصراع في المنضطة التي تتداخل فيها اطراف متعددة داخل وخارج الاقليم والسودان الان هو ضحية تلك التدخلات والعدواان المركب.
ان هذا العدوان المركب بحاجة لتحالف مركب ايضا ليس لمصلحة السودان فحسب بل لمصلحة من يعنيهم امر استقرار المنطقة وبلادهم وخاصة ان النار اضحت على ابوابهم فلقد حانت اللحظة الحاسمة التي تحدث عنها دكتور التجانى عبد القادر في مقال العميق الموسوم (هل حانت “اللحظة الحاسمة” في حرب السودان؟).