العالم يشيخ وأفريقيا تشبّ.. انقلاب ديموغرافي يعيد توزيع القوة
Mazin
أهم التحولات التي ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة لا يحدث في البورصات ولا في ساحات الحرب، وإنما داخل غرف الولادة ودور المسنين. فبينما تتراجع معدلات الإنجاب وتشيخ مجتمعات أوروبا وشرق آسيا بسرعة، يستمر عدد الشباب في النمو في أجزاء واسعة من أفريقيا. هذا الانقسام الديموغرافي يمكن أن يصبح واحداً من أهم مصادر القوة الاقتصادية والسياسية في القرن الحادي والعشرين. يبلغ عدد الشباب بين 15 و24 عاماً في العالم حالياً أكثر من 1.3 مليار شخص. وتقول الأمم المتحدة إن عدد الشباب في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل الدنيا سيرتفع بنحو 16% بين 2025 و2050، بينما سيتراجع في الدول مرتفعة ومتوسطة الدخل العليا بنحو 24%. وبحلول 2050 سيعيش 69% من شباب العالم في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل الدنيا، وسيأتي جزء كبير من هذا النمو من أفريقيا جنوب الصحراء. (DESA Publications) هذا التحول يقلب سؤال السكان رأساً على عقب. قبل نصف قرن كان العالم يخشى «الانفجار السكاني». أما اليوم، فبعض أكبر اقتصادات العالم تخشى العكس: قلة المواليد. في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وأجزاء من أوروبا أصبح عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل أقل من عدد الخارجين منه. ومع ارتفاع متوسط العمر، تتسع كتلة كبار السن الذين يحتاجون إلى المعاشات والرعاية الصحية، بينما تنكمش قاعدة العمال الذين يمولون هذه الأنظمة بالضرائب. وتقول الأمم المتحدة إن شيخوخة السكان ستفرض ضغوطاً متزايدة على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، وهي ليست مشكلة اجتماعية فقط، بل مشكلة في المالية العامة والنمو والإنتاجية. (United Nations) الصين تقدم الحالة الأكثر حساسية. فقد استفادت لعقود من «العائد الديموغرافي»: ملايين الشباب دخلوا المصانع والمدن وساهموا في طفرة الإنتاج والصادرات. لكن البلاد تواجه الآن انخفاضاً في السكان وشيخوخة سريعة قبل أن يصل دخل الفرد إلى مستوى الدول الغربية المتقدمة. وهذا قد يجعل رفع الإنتاجية ضرورة وجودية للاقتصاد الصيني. اليابان سبقت الجميع إلى هذه الأزمة، ولذلك اتجهت بقوة إلى الروبوتات والأتمتة ورفع مشاركة النساء وكبار السن في سوق العمل. أما أوروبا، فتجد نفسها أمام معضلة سياسية: تحتاج اقتصادياً إلى العمالة المهاجرة، بينما تتصاعد داخلياً الأحزاب والتيارات المناهضة للهجرة. هذه المفارقة قد تصبح واحدة من أكثر تناقضات السياسة الأوروبية حدة. فالسكان قد يرفضون المزيد من الهجرة، لكن المستشفيات وقطاع البناء والنقل ورعاية المسنين والاقتصاد نفسه قد يحتاجون إليها. في الجهة الأخرى تقف أفريقيا. من الناحية النظرية، الشباب ثروة. اقتصاد يمتلك أعداداً كبيرة من السكان في سن العمل يمكن أن يحقق نمواً سريعاً إذا كانت لديهم المهارات والوظائف. هذا ما حدث في شرق آسيا خلال مراحل التصنيع الكبرى. لكن الديموغرافيا ليست قدراً إيجابياً. إذا دخل ملايين الشباب سوق العمل دون تعليم جيد أو وظائف، فإن ما يسمى «العائد الديموغرافي» يتحول إلى عبء: بطالة، هجرة غير نظامية، اقتصاد غير رسمي، واحتقان سياسي. ولهذا فإن أهم استثمار أفريقي خلال العقود المقبلة ربما لا يكون منجماً أو ميناء أو حقلاً نفطياً، وإنما المدرسة والجامعة والتدريب المهني. فالقارة لن تستفيد من شبابها إذا لم يتحولوا إلى عمالة منتجة. هناك بعد عالمي آخر. مع تراجع السكان في الاقتصادات الغنية، يمكن أن تصبح المنافسة على البشر شبيهة بالمنافسة الحالية على رأس المال. الدول التي تستطيع جذب الأطباء والمهندسين والمبرمجين والفنيين ستعوض جزءاً من نقصها الداخلي. وقد يؤدي ذلك إلى شكل جديد من «هجرة الأدمغة» من أفريقيا إذا قامت الدول المتقدمة باستقطاب أفضل خريجيها دون أن تنجح القارة في خلق وظائف لهم. الذكاء الاصطناعي والأتمتة قد يخففان بعض الضغوط، لكنهما لن يلغيا الحاجة إلى البشر. فهناك وظائف يصعب إحلال الآلة مكان الإنسان فيها، خصوصاً الرعاية والصحة والتعليم والخدمات الشخصية. وبهذا تتغير خريطة القوة نفسها. لفترة طويلة ارتبط صعود الدول بحجم سكانها وقدرتها الصناعية. في العقود المقبلة قد يصبح السؤال أكثر تعقيداً: ليس من يملك أكبر عدد من السكان، بل من يملك السكان في العمر المناسب، وبالمهارات المناسبة، وفي الاقتصاد القادر على تشغيلهم. هنا تمتلك أفريقيا فرصة لا تتكرر كثيراً في التاريخ. العالم المتقدم يشيخ، والقارة تظل شابة. لكن هذه الميزة لن تتحول تلقائياً إلى قوة. الديموغرافيا تمنح أفريقيا رأس المال البشري، لكن السياسة والاقتصاد والتعليم هي التي ستقرر ما إذا كان هذا الرأس مالاً منتجاً أم فرصة مهدرة