الصحافة في زمن التحولات: مآزق وتحديات مهنية

فيما ارى

عادل الباز

١

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي، يواجه الصحفيون المهنيون تحديات جمة. ما أطرحه في هذا المقال يخص هؤلاء الصحفيين الذين تشربوا المهنة وتدربوا عليها في صالات التحرير، فعرفوا أصولها وتبنوا قيمها وأخلاقها، لا “أساتذة” الإسافير والمهرجين الذين قال عنهم الكاتب الإيطالي العظيم أمبرتو إيكو: *إن وسائل التواصل منحت حق الكلام والتعبير،لفياليق الحمقى الذين كان كلامهم في السابق محصورًا في الحانات أو المقاهي بعد تناول الكحول دون أن يلحقوا أضرارًا بالمجتمع، حيث كان يتم إسكاتهم فورًا”والله من وراء القصد.

بدا لي أننا نعاني في هذا الزمان اللئيم جملة من التحديات والمآزق التي لا بد أن نعبرها بسلام، وأخرى لا بد أن نتكيف معها، وأخيرة لا بد أن نطور أدواتنا لنلحق بصحافة عصر الذكاء الاصطناعي. وفيما يلي استعراض لأبرز هذه المآزق:

٢

بسبب غياب صالات التحرير والضبط المهني والرقابة، وتحت ضغط ولهث سباق “السوشيال ميديا” وإغراءات السبق والترند، تلوثت الأخبار وغابت المصادر. فالأخبار تصدر دون مرجعية مؤكدة، ولذا نشهد عقب كل خبر نفيًا أو تكذيبًا. وهذا أدى إلى عدم إمكانية البناء على أي خبر حتى تثبت صحته نهائيًا. السؤال الأول الذي يُطرح الآن عقب أي خبر: “ما المصدر؟”، وهذا السؤال ينبغي أن يصبح خبرًا مفرحًا للصحفيين المهنيين لأنه يبحث عن المصداقية، عن الحقيقة، وذلك يمثل انتصارًا للصحافة المهنية الموثوقة التي يتعامل معها الناس بثقة. لذا، فإن حرص الصحفيين على الاعتماد على مصادر موثوقة هو أهم عامل لتكريس مصداقية الصحافة وإبعادها عن أكاذيب وهراء “السوشيال ميديا”، وذلك ليس سهلًا ويحتاج لدربة وصبر في زمن العجلة هذا.

2.

*مأزق آخر يتعلق بتعاملنا مع المصادر*؛

السلطة في هذه المرحلة تعاني من سيولة عجيبة وصراعات مزمنة داخلها وفوضى في المسؤوليات. وسط هذه الصراعات يجب ألا نكون نحن الصحفيين ضحاياها، فلا نُستغل أو نُستخدم في تصفية حسابات المتصارعين. فكثيرًا من الأخبار تأتي من مصادر لها مصلحة في تسريبها، وبالطبع نتلقى الأخبار من أي جهة كانت، ولكن نشرها يستحق التمحيص الدقيق: ما المصلحة الحقيقية في النشر من حيث فائدته للجمهور أو للوطن؟ هل هو خبر للتشهير بفلان؟ أم يساعد في خدمة قضية عادلة يجب نشرها وإبرازها؟ الفكرة هنا أننا خدام للشعب ولسنا أدوات لتصفية الصراعات، وعليه لا بد أن نستقبل كل المعلومات التي تأتي من مصادر لها مصلحة في النشر بكثير من الشك والتمحيص.

3.

*المأزق الثالث هو مأزق محاربة الفساد؛* لهذا المأزق بريق خاص يغري بالقراءة ويجذب الجمهور، فأغلب الصحفيين ينجذبون نحوه ظنًا منهم أنه الطريق السريع للشهرة والمجد. ولكن تلك أكذوبة يثبتها تاريخنا الصحفي كله؛ فأساتذتنا من كبار الصحفيين الذين كتبوا أسماءهم بأحرف من نور لم يلهثوا خلف قضايا الفساد، بل خلف قضايا وطنهم بالكتابة الرصينة والتحليل وبالمثابرة والإتقان. خذ مثلًا من الذين وعاصرناهم: الأستاذ محجوب محمد صالح، وحسن ساتي، ومحمد الحسن أحمد، وإدريس حسن. هؤلاء وغيرهم بنوا أمجادهم على أسس المهنة وليس على مطاردة وكشف الفساد.

بالطبع، ذلك لا يعني أن كشف الفساد ليس من مهامنا، بل من مهامنا الأصيلة، خاصة في هذا الزمن الذي يبحث فيه الشعب عن رقيب على السلطة ولا يجد سوى الصحفيين. ولكن اتخاذ محاربة الفساد رافعة للمجد والشهرة (عمال على بطال) هو المأزق الحقيقي، وهو بالمناسبة يغري بالانزلاق فيه فينبغي الحذر الشديد. بإذن الله سنعود لنفصل في كيفية محاربة الفساد وفرض الرقابة دون الانزلاق في بحر من المآزق الأخلاقية والقانونية.

4.

*نحن بحاجة لبعض الحساسية الاجتماعية*في تناول القضايا العامة، بمعنى أن نستهدف دائمًا الأفعال وليس الأشخاص، وإن كانت القضايا عمومًا تمس الأشخاص الفاعلين. ولكن هناك خيط رفيع بين استهداف القضايا والعبور مباشرة لدمغ الأشخاص بأوصاف الفساد وغيرها؛ فالكلمة حين تنطلق لا تمس الشخص المعني فقط بل تمس أسرته ومحيطه. ولذا الأفضل التركيز على القضايا والسياسات بعيدًا عن الشخصنة، فهناك فرق واضح بين الإساءات الشخصية وبين أداء الواجب في كشف الفساد ونقد السياسات وتناول القضايا بموضوعية

5

إن مهنة الصحافة في ظل التحديات الراهنة ليست مجرد ترفٍ أو وسيلة للانتشار، بل هي أمانة ثقيلة ومسؤولية أخلاقية ووطنية. يتطلب منا هذا العصر التمسك بأخلاقيات المهنة، والترفع عن الانزلاق في مستنقعات “الترند” وتصفية الحسابات، لنكون دائمًا صوتًا للحق ومرآة للمجتمع، لا أداة في يد المتنافسين على الكراسي والمتصارعين حول المصالح. إن تعزيز العمل الجماعي بين الصحفيين ودعم المؤسسات الإعلامية لهم هو السبيل لتجاوز هذه التحديات والحفاظ على مصداقية الصحافة ودورها المحوري في بناء المجتمعات.

Exit mobile version