الشيخ سيّروه .. وأبْشِر يا عريس ..

ألسنة وأقلام

بابكر إسماعيل

٥/ ٤/ ٢٠٢٦
عملت طبيباً في شمال غرب إنجلترا بمدينة بيرنلي بمقاطعة لانكشير في بداية القرن الحالي – ولانكشير هي المقاطعة التي اشتهرت بصناعة النسيج عندما كان قطن السودان يسمّى بالذهب الأبيض في ستينات القرن الماضي ..

التحقت بي أسرتي الصغيرة .. أمٌّ و ثلاث من زغب الحواصل لا يتحدثون اللغة الإنجليزية في بواكير المرحلة الأولية أو الحضانة.

ومدينة بيرنلي .. ويسمونها بيرنلي تاون .. والفرق بين الcity والtown في بريطانيا محدد وواضح وله خلفية دينية .. فالمدينة بها كاثدرائية (أي مثل المسجد الجامع) وتسمّى city
والمدن التي ليست بها كاثدرائيات تسمّى towns .. ولا أعرف نظير لاسم الـtown باللغة العربية …
المهم بيرنلي بعد أن كسدت صناعة النسيج صارت مدينة كئيبة باردة رتيبة .. فملّت أسرتي القادمة من الخرطوم المبهجة اللطيفة وملتقى النيلين وأرض الحضارات المروية بماء النيل الزلال .. وكذلك بسبب معاناة أولادي من السخرية والتنمر عليهم في المدارس لعدم إلمامهم باللغة الإنجليزية حينها .. كما أنّه لم تكن في ذلك الوقت جالية سودانية بمدينة بيرنلي ولا حتّى جاليات عربية خلا أسر أطباء متناثرة هنا وهنالك من مصر وليبيا .. واستوطنت بالمدينة أسر مسلمة غفيرة من شبه القارة الهندية اُستجلبوا للعمل بمصانع النسيج عقب الحرب العالمية الثانية ولكنهم منكفئون على أنفسهم ويحمد لهم أنهم أسّسوا في بيرنلي وغيرها المساجد والمدارس القرآنية لأطفالهم .. فجزاهم الله خيراً ..
قررنا العودة للسودان وقد حققت هدفي من نهل العلوم – قبل مقدمي إلي بيرنلى الكئيبة – حيث قضيت عاماً كاملاً متدرباً على أحدث علوم الباثولوجيا الإكلينيكية في مستشفى ليفربول الجامعي ..
فقررنا أن تعود الأسرة أولاً بنهاية ذاك العام الدراسي .. ثم ألحق بهم عقب انتهاء سنتي التعاقدية في آخر عام 2000.

وعاد العريس محمولاً في عالم الذّر ليتخلق في سودان العزة والكرامة بذرةً تُسقى بماء النيل .. وشاء القدير بعد مغادرة أسرتي بشهر أو شهرين أن أحصل على وظيفة طبيب اختصاصي مسجل ( أو ما يعرف بالSpR) في عمادة أكسفورد الطبية وفي مستشفاها العتيق “جون راتكلف”.. والذي تأسس في أواخر القرن الثامن عشر. ويقع المبني الحديث منه في ضاحية هيدنقتون شرق مدينة أكسفورد .. ومبناها القديم بجوار جامعة أكسفورد العريقة في قلب المدينة القديمة .. وقد ضُمُ ذلك المبني القديم لاحقاً لمباني الجامعة الأثرية .. وقد أكون من بين أواخر دفع الأطباء التي تدربت في ذلك المستشفى العتيق ..
وكما تعلمون فإنّ أكسفورد هي درة مدن إنجلترا وإحدى حواضر الإشعاع فيها لأكثر من ألف عام ..
تأسست المدينة في القرن الثامن الميلادي وكان بها معبر للثيران على نهر التيمس ومن هنا جاء اسم أكسفورد (أُكس تعني الثور والفورد هي مثل الفولة التي عندنا في غرب السوداني وتعني مجمع المياه في نهر أو بحيرة أو تُردةٍ كتردة الرهد).

عادت الأسرة لتلحق بي مجدداً وازدادت الأسرة بعريسنا عبد الرحمن الذي جاء إلى أكسفورد يحبو ودخلها أمس عريساً (حفظته العناية وإخوانه وأخته) ..
قضيت بأكسفورد سنين زاهيات نضرات ..
نرتقي تلالها هبوطاً وصعوداً في غدونا ورواحنا ذهاباً وإياباً للعمل بالمشفى ..
وطلاب جامعة أكسفورد يملأون طرقاتها بدراجاتهم وحيويتهم وألقهم .. فيزيدونها حبوراً وحيوية ..
تأسست الجامعة العريقة في القرن الثاني عشر ومنذ ذلك التاريخ هي قائمة على خدمة العلم والأكاديميا .. وكان من ضمن خدمتها لمجتمع أكسفورد حينذاك أنها كانت توزع طلابها على أسر المهاجرين الجدد ليعلموا أطفالهم اللغة الإنجليزية.. وكان من نصيب ابنتي طالبة أمريكية اسمها ويندي لوتيرت.. لا أدري أين هي الآن حياها الغمام حيث كانت ولها منّا كل تقدير واحترام.
وطالب آخر في العام الذي يليه شاب إنجليزي يبدو أنه من طبقة أرستقراطية – لا أذكر اسمه الآن – أهدى ابني الصغير دبوسين فاخرين يُعلقان على أكمام البِدَل كنت احتفظ بهما إلى وقت قريب ..

ومن معالم أكسفورد غير الجامعة العتيقة كان أحمد بولوك وهو إنجليزي قِحٌّ كان في الثمانينات من عمره عندما تعرفنا عليه ولكنه بقلب شاب وثّاب..سمّى نفسه أحمد واسمه الأصلي Roy ..
أسلم رُوي في أربعينات القرن الماضي وصار إماماً لأول مسجد بأكسفورد وعاصره الإمام الصادق المهدي حين أُلحق بجامعة أكسفورد ..
وحدثنا أحمد بولوك أنه قدّم خطّة للصادق لتحرير سيّد قطب من سجون عبد الناصر ليقدّمها لأمام الأنصار للإعانة في تمويلها ولم يفعل الصادق أو لم يُرِد الإمام ..
انتخبنا رُويْ بولوك رئيساً لمركز تعليم المسلمين بأكسفوردMECO وعيّنا أحد الباحثين بالجامعة واسمه د/ تاج هرقي وهو سريلانكي من جنوب إفريقيا أميناً عاماً .. ولكن هرقي اختطف الجمعية الوليدة وتحصل بها على كنيسة صغيرة صار يقيم فيها صلاة الجمعة وأحضر لها امرأة تؤمّ المصلّين .. وتلك حكايات طويلة لن نستفيض فيها كثيراً ..

وهنالك ديفيد كيلي بروفيسور الميكروبات وعالم بريطاني متخصص في الأسلحة البايولوجية .. كشف في تصريح صحفي (لم يصرح فيه باسمه) عن تلاعب حكومة توني بلير ومبالغتهم في التقارير الزائفة حول قدرات العراق في ملف أسلحة الدمار الشامل تمهيداً لتدمير العراق .. سربت الصحافة اسمه ووُجد بعدها ميتاً في غابة قريبة من منزله. اعتبرت الرواية الرسمية وفاته انتحاراً .. وشكّك البعض في صحة هذه الرواية الرسمية كما تشكك الناس من قبل في رواية وفاة لورنس العرب الذي ملأ الدنيا ضجيجاً وشغل الناس بعد عودته من الجزيرة العربية .. أصول لورانس من ويلز ولكنه نشأ وترعرع ومات في أكسفورد في حادثة موتورسيكل في إحدى المزارع القريبة من المدينة..

كما أن كثيراً من رؤساء الوزراء البريطانيين تخرجوا من جامعة أكسفورد .. حيث تخرج منها 13 من أصل 21 رئيس وزراء في الفترة من العام 1900 إلى العام 1999 ..
وتخرج سبعة من ثمانية رؤساء وزراء بريطانيين من جامعة أكسفورد في الفترة من العام 2000 وحتى عامنا هذا 2026 بما فيهم رئيس الوزراء الحالي عن حزب العمال (كير ستارمر)، كلهم عدا الأسكتلندي الحازم – غوردون براون الذي تخرج من جامعة إدنبرة.

ترعرع عبد الرحمن وإخوته في جنوب غرب لندن بعيداً عن وسطها الصاخب الساهر والـWest End الزاخر بالفنون والمسارح والمباهج والذي يعلوه دخان الشواء المنبعث من مطاعم إدجوار رود العربية الشهية ..

أتقن عريسنا اللغة الإنجليزية قبل تعلمه للعربية وصارت أحرف الحلق الفخيمة تتزاحم في حلقه فحاؤه كانت هاءاً في صغره وعينه تشبه الهمزة والتذكير والتأنيث كيفما اتفق .. وكلّ ذلك صار تاريخاً الآن حيث استقام اللسان بتلاوة القرآن والسفر للسودان ..
ولله الحمد والمنة ..

ومرّت السنوات وفي يوم صيفي مشمس قبل بضعة أعوام رمى بقبعة التخرّج عالية في الهواء في سماء مدينة كانتربري عاصمة مقاطعة كِنْت حين تخرّج في جامعتها العريقة .. ونال بكالوريوس العلوم المالية والمحاسبية .. ودرس معه طلّاب كثر من شتّى أنحاء المعمورة ..
أذكر زرنا الأمارات قبل عامين أو ثلاثة .. فدعاه أحد زملائه من أحدي أسرها الحاكمة ليلعب معهم كرة القدم ذات مساء .. وحضر عقد القران بالأمس أحد أصدقائه كان جدّه رئيساً لدولة إفريقية كبرى زامله في جامعة كنت ..

وختاماً نبشّر للعريس .. ونردد مع إبراهيم عوض ..
“يا زمن وقّف شوية ..
يا زمن ارحم شوية ..
واهدي للأحباب لحظات هنية ..”

Exit mobile version