رأي

السودان وأزمة الأحزاب السياسية: من الاستقلال إلى ثورة ديسمبر فضاءات

إبراهيم إسماعيل
شكّلت الحركة الوطنية السودانية الحديثة أحد أهم العوامل التي قادت البلاد إلى الاستقلال في عام 1956، غير أن مسار تطور الأحزاب السياسية التي نشأت في تلك المرحلة ظل محفوفًا بالتناقضات بين الانتماء إلى التربة الوطنية والانجذاب إلى الأيديولوجيات الأجنبية.
وكان الشعب السوداني، في تلك المرحلة، في حاجة ماسّة إلى وحدة الحركة الوطنية من أجل طرد المستعمر وبناء الدولة الوطنية الحديثة. غير أن تلك الوحدة التي تحققت نسبيًا في مواجهة الاستعمار لم تستمر بعد الاستقلال، إذ سرعان ما عادت الانقسامات السياسية والفكرية لتفرض نفسها على الساحة السودانية، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراعات الحزبية التي ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.
فمنذ البدايات الأولى لتشكّل الحياة الحزبية في السودان، ظهرت تيارات متعددة التأثيرات: تيار إسلامي متأثر بفكر الإخوان المسلمين، وتيار يساري ارتبط بالفكر الشيوعي العالمي، إلى جانب أفكار قومية عربية، وأخرى ذات نزعات اشتراكية إسلامية، كما برزت أطروحات فكرية مستقلة مثل مشروع المفكر محمود محمد طه الذي حاول تقديم قراءة مختلفة للإسلام والمجتمع.
ورغم هذا التنوع الفكري، ظل السؤال مطروحًا: إلى أي مدى استطاعت هذه الأحزاب أن تعبّر عن واقع المجتمع السوداني وتاريخه، بدل استنساخ تجارب أيديولوجية نشأت في بيئات مختلفة؟
مايو 1969 والصراع الأيديولوجي
جاء انقلاب مايو عام 1969 ليعبّر عن ذروة الصراع الأيديولوجي داخل الدولة السودانية. فقد ارتبط الانقلاب في بداياته بتحالف مع التيار اليساري، خاصة الحزب الشيوعي، غير أن العلاقة سرعان ما دخلت مرحلة صراع انتهت بأحداث يوليو 1971، عندما قاد الرائد هاشم العطا انقلابًا عسكريًا قصير العمر.
وقد وثّق الصحفي فؤاد مطر في شهاداته كثيرًا من تفاصيل تلك المرحلة المضطربة، التي انتهت بإعدام عدد من القيادات الشيوعية والعسكرية، لتدخل العلاقة بين السلطة والحزب الشيوعي مرحلة قطيعة حادة. ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال مطروحًا في الأدبيات السياسية:
هل جرى “نحر” الحزب الشيوعي سياسيًا، أم أن الصراعات الداخلية والأخطاء الاستراتيجية كانت سببًا في تراجعه؟
صراعات الأحزاب التقليدية
لم تكن الأحزاب التقليدية بمنأى عن الصراعات الداخلية. فقد شهد حزب الأمة خلافات عميقة بين قياداته، أبرزها الصراع بين الإمام الصادق المهدي ورئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب. وقد عبّر المحجوب في مذكراته عن تلك اللحظة السياسية الشهيرة بقوله إن الحزب استبدل “سيفًا من فولاذ بسيف من خشب”، في إشارة إلى إزاحته من رئاسة الوزراء وصعود الصادق المهدي إلى المنصب وهو في التاسعة والعشرين من عمره.
كما عانت الأحزاب الاتحادية من انقسامات متعددة، انعكست في مواقفها المتباينة تجاه العلاقة مع مصر، وهي علاقة تاريخية معقدة ظلّت تؤثر في مسار السياسة السودانية.
إرث الاستعمار وبنية السلطة
ومن القضايا التي ظل الجدل حولها مستمرًا، ما يُقال عن أن الإدارة الاستعمارية البريطانية تركت النفوذ السياسي والاقتصادي في يد بعض القيادات التقليدية، وعلى رأسها السيد عبد الرحمن المهدي، الأمر الذي أسهم في تشكيل موازين القوة داخل الدولة الوطنية الوليدة.
في المقابل، ظهرت تيارات أخرى مثل البعث والقومية العربية، التي حاولت تقديم مشروع سياسي بديل مستلهم من التجربة القومية العربية في المنطقة.
الإسلاميون وتحولات الحركة الإسلامية
أما الحركة الإسلامية في السودان فقد مرت بعدة مراحل تنظيمية وفكرية، انتهت إلى صعود الجبهة الإسلامية القومية التي استطاعت لاحقًا الوصول إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989. غير أن التجربة الإسلامية في الحكم واجهت بدورها تحديات داخلية وخارجية، وانتهت بانقسامات عميقة داخل السلطة نفسها، أبرزها انقسام المؤتمر الوطني وظهور المؤتمر الشعبي.
الحركات المسلحة وإشكالية المركز والهامش
في العقود الأخيرة، شهد السودان ظهور عدد كبير من الحركات المسلحة، خاصة في مناطق الأطراف. وقد ارتبط ذلك بجدل واسع حول العلاقة بين المركز والهامش، وهو جدل يرى البعض أنه يعكس اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة.
كما لعبت بعض الأحزاب السياسية أدوارًا مثيرة للجدل في دعم أو احتضان بعض هذه الحركات، سواء في دارفور أو في مناطق أخرى، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد السياسي.
الثورات والانتفاضات الشعبية
شهد السودان محطات مفصلية في تاريخه السياسي، أبرزها ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالحكم العسكري الأول، وانتفاضة أبريل 1985 التي أنهت حكم جعفر نميري.
وفي السياق نفسه جاءت ثورة ديسمبر المجيدة عام 2019، التي خرج فيها الشعب السوداني مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، منهياً ثلاثة عقود من الحكم السياسي الذي امتد لنحو ثلاثين عامًا. وقد مثلت الثورة لحظة تاريخية جديدة في مسار النضال السوداني من أجل الدولة المدنية والتحول الديمقراطي.
غير أن المؤسف في تلك المرحلة أن القيادات المدنية التي تولت إدارة الفترة الانتقالية لم تكن – في نظر كثيرين – على مستوى مسؤولية بناء الدولة ومؤسساتها. فبدلاً من التركيز على تأسيس بنية مؤسسية راسخة تقود البلاد إلى التحول المدني الديمقراطي، انشغلت بعض القوى السياسية بتصفية الحسابات السياسية والشخصية.
كما ساد خطاب سياسي اتجه أحيانًا إلى تجريم قطاعات واسعة من الشعب السوداني، رغم أن هذا الشعب نفسه عاش تحت حكم سياسي امتد ثلاثين عامًا، نشأت خلاله أجيال كاملة لا تعرف في الحكم غير رئيس واحد. وهو ما جعل كثيرين يرون أن الظلم لا ينبغي أن يُحمّل للشعب، بل يجب أن يُفهم في سياقه التاريخي والسياسي.
أزمة الأحزاب السياسية السودانية
المحصلة النهائية لكل هذا التاريخ السياسي هي أن الأحزاب السودانية، رغم دورها في الحركة الوطنية والاستقلال، لم تصل بعد إلى مرحلة النضج السياسي والمؤسسي الذي يمكّنها من قيادة مشروع وطني جامع.
فكثير من هذه الأحزاب ما زال ينتظر الوصول إلى السلطة ليبدأ بعد ذلك صراع المصالح ودورات الفساد الإداري والمالي. ولهذا ربما يكون من الضروري أن تعيد الأحزاب النظر في بنيتها ووظيفتها، بحيث توفر لأعضائها أدوارًا اقتصادية وتنموية داخل المجتمع، بدلاً من ربط الطموحات السياسية بالوصول إلى السلطة فقط.
كما أن على الحركات المسلحة أن تتحول تدريجيًا إلى أحزاب سياسية مدنية، وأن تسهم في عملية الدمج الوطني وبناء الدولة. وفي الوقت نفسه، يبدو أن منظمات المجتمع المدني باتت تلعب أدوارًا متزايدة في الحياة العامة، أحيانًا أكبر من دور الأحزاب نفسها، نتيجة التكلس التنظيمي وانتظار “القائد الملهم” داخل كثير من التنظيمات السياسية.
والمؤسف أن الأحزاب السياسية السودانية، رغم هذا التاريخ الطويل من التجربة، لم تستفد بما يكفي من الفكر السوداني نفسه في استكمال مشروع السودان الوطني، كما لم تنظر بعمق إلى تحديات العولمة وما تفرضه من تحولات سياسية واقتصادية وثقافية على الدولة الوطنية.
ورغم كل ذلك، تظل الأحزاب السياسية ضرورة لا غنى عنها في أي نظام ديمقراطي، لأنها الأداة الأساسية لمحاربة الجهوية والقبلية وترسيخ التداول السلمي للسلطة.
غير أن مستقبل السودان السياسي يتطلب أحزابًا أكثر انفتاحًا على المجتمع وعلى العالم، وأكثر قدرة على فهم تحديات الدولة الوطنية في عصر العولمة.
فبدون إصلاح حقيقي للحياة الحزبية، سيظل السودان يدور في دائرة الصراعات السياسية ذاتها، بينما تتأخر فرص التنمية والنهضة الاقتصادية التي ينتظرها شعبنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى