في الدول التي تعيش على حافة الاختناق، لا تبدأ الأحداث يوم يخرج الناس إلى الشارع… بل يوم تُسجَّل المؤشرات في التقارير، وتُقرأ بعيون تعرف ماذا تعني الأرقام حين تتكرر.
السودان لم يصل إلى ديسمبر 2018 فجأة. المسار كان واضحاً لمن تابع: تضخم يتصاعد، عملة تتآكل، ضيق معيشي يتسلّل إلى كل بيت، واحتجاجات متفرقة سبقت المشهد الكبير بسنوات. هذه ليست رواية… بل وقائع دعمتها تقارير اقتصادية، حيث اندلعت الاحتجاجات أساساً بسبب ارتفاع أسعار الخبز والوقود وتدهور الأوضاع المعيشية.
لكن الوقائع وحدها لا تكفي. لأن السؤال الحقيقي لم يكن: لماذا خرج الناس؟ بل: متى يتحوّل هذا الخروج إلى مسار… ومَن يديره؟
هنا تتغير زاوية النظر. ما حدث لم يكن انفجاراً تلقائياً بالمعنى الذي تم تسويقه لاحقاً. كان انفجاراً في الظاهر… وإدارة في العمق.
الفرق بين الاثنين دقيق، لكنه حاسم. في الأسابيع الأولى، بدا المشهد بسيطاً: مطالب معيشية، هتافات، غضب متصاعد. ثم تزامن ذلك مع تصاعد لافت في أزمات الوقود والخبز، ما ضاعف الضغط على الشارع ورفع منسوب الاحتقان بوتيرة متسارعة.
ثم، وبسرعة لافتة، تغيّر الإيقاع: خطاب سياسي موحّد، تحالفات تتشكل، وقدرة على الانتقال من الشارع إلى المنصّة، ومن الشعارات إلى البرامج.
هذه التحولات لا تحدث عادةً بهذه السرعة… إلا إذا كانت هناك شبكات قادرة على التقاط اللحظة وتوجيهها. ولا يعني ذلك أن الحدث صُنع من الصفر، بل أن لحظة حقيقية تم استثمارها حين نضجت ظروفها.
بعد سقوط النظام، كان الاختبار الحقيقي: هل تتماسك الدولة؟ الإجابة جاءت على العكس. مركز القرار لم يتوحّد… بل تشتّت.. المؤسسات لم تستقر… بل دخلت في حالة سيولة. والسلطة لم تُدار كمنظومة واحدة… بل كمجموعة مسارات متوازية.
وقد تجلّت هذه الحالة في وقائع محددة داخل مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية – وقائع لا تحتاج إلى تفصيل بقدر ما تحتاج إلى قراءة – إذ تكشف بوضوح عمق التشتّت وتعدّد مراكز القرار.
وفي هذا النوع من الفراغ، لا تبقى الساحة فارغة. القوى الإقليمية والدولية لا تحتاج إلى خلق الحدث… يكفيها أن تدخل عليه. أن تدعم هذا المسار، وتضغط على ذاك، وتعيد ترتيب الأولويات وفق مصالحها.
وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً مما يُقال.. لأن ما جرى لا يُقرأ بسردية واحدة، فهو ليس ثورة نقية بالكامل… ولا مؤامرة مكتملة من الخارج… بل نقطة تقاطع بين أزمة داخلية حقيقية، وقدرة عالية على استثمارها.
وهذا هو النموذج الذي يتكرر في أكثر من تجربة: الأحداث لا تُخلق دائماً… بل تُدار حين تنضج. و النتيجة في الحالة السودانية لم تكن انتقالاً مستقراً، بل إعادة تشكيل لموازين القوة.
تفكّك في مركز القرار، صعود لقوى موازية، وتحوّل مؤسسات الدولة إلى ساحات تنافس بدلاً من أن تكون أدوات حكم، وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
لأن الدولة لا تنهار فقط عندما تُهاجَم، بل عندما تفقد القدرة على إدارة أزماتها… وعلى فهم ما يجري داخلها قبل أن يتحول إلى مسار خارج السيطرة.
وإذا كان هذا ما حدث، فإن السؤال الأهم الآن ليس عن الماضي… بل عن ما يُعاد تشكيله في الحاضر. والأخطر من كل ما سبق … أن يُعاد إنتاج المشهد نفسه بوجوهٍ اعتلت المنصّة بعد ديسمبر، ولم تتعامل مع الدولة كدولة، بل كمحميّة اقتُلعت من نظامٍ تكرهه.
الإقصاء لم يكن استثناءً… بل منهجاً.. و تعدد مراكز القرار لم يكن عرضاً… بل سلوكاً.. و روح الانتقام تغلّبت على منطق إدارة الدولة.
فكانت النتيجة كما نراها: شلل في القرار، ارتباك في المؤسسات، وتآكل في الثقة العامة.
التحذير هنا ليس سياسياً فقط… بل بنيوياً: إعادة تدوير نفس الذهنية، بنفس الأدوات، لن تنتج إلا الأزمة ذاتها بصورة أكثر تعقيداً.
الدول لا تُدار بمنطق من كان معنا ومن كان ضدنا، ولا تُبنى على تصفية الحسابات، بل على القدرة على استيعاب التناقضات وإدارة الاختلاف.
السودان اليوم لا يقف أمام سؤال من يحكم… بل أمام سؤال أخطر: كيف تُدار الدولة؟
لأن الفرق بين الانفجار… والإدارة، هو الفرق بين دولة تنهض، ودولة تُعاد صياغتها كل مرة من جديد.