السودان تحت حصار الطقس المتطرف..هل أصبح تغيرالمناخ تهديدًا للأمن القومي؟
Mazin
الأحداث – وكالات تتطلب الأوضاع العصيبة والظرف التاريخي الذي يمر به السودان الآن حنكةً في التعامل الحكومي مع التحديات والأزمات التي تهدد الدولة، وسط طقس متطرف مدفوع بعوامل ناتجة عن آثار تغير المناخ، التي تظهر بشكل غير مسبوق على شمال القارة الإفريقية وشرقها، وفي منطقة القرن الإفريقي. *ولم يعد الحديث عن تغير المناخ في السودان ترفًا فكريًا أو قضية بيئية معزولة، بل أصبح أحد أبرز التحديات التي تتداخل مع الأوضاع الأمنية والاقتصادية والإنسانية.. فالدولة التي تعاني من حرب ممتدة، تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا مناخية غير مسبوقة، جعلت الظواهر الجوية أكثر عنفًا، وأشد تأثيرًا على حياة المواطنين والبنية التحتية والموارد الطبيعية. تغير المناخ… لماذا أصبح الطقس أكثر تطرفًا؟:
يُعرّف العلماء الطقس المتطرف بأنه تزايد في شدة أو تكرار الظواهر الجوية غير المعتادة، مثل موجات الحرارة، والأمطار الغزيرة، والسيول، والجفاف، والعواصف الترابية، نتيجة ارتفاع متوسط حرارة الأرض بفعل زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة. وتُعد إفريقيا من أكثر القارات تأثرًا بهذه التغيرات، رغم أنها الأقل مساهمة في الانبعاثات العالمية، بينما يقع السودان في منطقة انتقالية بين الصحراء الكبرى والسافانا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهو ما يجعله أكثر حساسية لأي تغير في أنماط المناخ. السودان بين الجفاف والسيول: أصبحت المفارقة المناخية في السودان واضحة بصورة لافتة؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه بعض الولايات من موجات جفاف حادة ونقص في المياه، تتعرض ولايات أخرى لأمطار غزيرة وسيول مدمرة خلال فترات زمنية قصيرة. *هذه الظاهرة تعكس اضطراب الدورة الطبيعية للأمطار، فلم تعد مواسم الخريف تأتي وفق النمط المعروف تاريخيًا، بل أصبحت الأمطار أكثر كثافة في وقت أقل، وهو ما يزيد احتمالات الفيضانات والانهيارات الأرضية وتدمير الطرق والمنازل. كما أن فترات الجفاف الطويلة تؤدي إلى تراجع الغطاء النباتي، وتدهور الأراضي الزراعية، واتساع رقعة التصحر، خاصة في ولايات دارفور وكردفان والولايات الشمالية. آثار اقتصادية تتجاوز الزراعة:مراجع جغرافية
يعتمد ملايين السودانيين بصورة مباشرة على الزراعة والرعي، ولذلك فإن أي اضطراب مناخي ينعكس فورًا على الاقتصاد الوطني.. فالحرارة المرتفعة تؤدي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل، بينما تتسبب الأمطار غير المنتظمة في تلف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية أو تأخير مواسم الزراعة والحصاد. *كما تتعرض الثروة الحيوانية لخسائر كبيرة نتيجة نقص المراعي والمياه، وانتشار الأمراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يؤثر على أحد أهم القطاعات الاقتصادية في السودان.. ولا تقف الخسائر عند هذا الحد، إذ تتسبب السيول في تدمير الجسور والطرق وشبكات الكهرباء ومحطات المياه، ما يضاعف تكلفة إعادة الإعمار في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة. أضرار صحية وإنسانية متفاقمة: يرتبط الطقس المتطرف أيضًا بارتفاع معدلات انتشار الأمراض.. فبعد الفيضانات تتلوث مصادر مياه الشرب، ما يؤدي إلى زيادة حالات الكوليرا والإسهالات المائية والتيفوئيد، بينما تساعد درجات الحرارة المرتفعة وتجمعات المياه الراكدة على انتشار البعوض الناقل للملاريا وحمى الضنك.. وفي ظل تراجع الخدمات الصحية بسبب الحرب، تصبح قدرة المؤسسات الطبية على الاستجابة لهذه الأزمات أكثر محدودية، وهو ما يضاعف المخاطر الإنسانية. كذلك تؤدي الكوارث المناخية إلى نزوح آلاف الأسر بعد انهيار المنازل أو تلف الأراضي الزراعية، لتزداد الضغوط على مخيمات النزوح التي تعاني أصلًا من نقص الخدمات الأساسية. تغير المناخ والصراع على الموارد:
لا يمكن فصل التغيرات المناخية عن التوترات الاجتماعية والأمنية في السودان.. فعندما تتراجع الموارد المائية والمراعي، تزداد المنافسة عليها بين المجتمعات المحلية، وهو ما قد يفاقم النزاعات التقليدية بين المزارعين والرعاة، خاصة في مناطق الهشاشة الأمنية.. كما أن تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء يسهمان في زيادة معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وهو ما يجعل تغير المناخ عاملًا مضاعفًا للأزمات القائمة، وليس مجرد أزمة بيئية مستقلة.
ما الذي حدث سابقًا… وما المتوقع مستقبلًا؟: شهد السودان خلال العقود الماضية موجات متكررة من الفيضانات والسيول التي خلفت آلاف المنازل المدمرة، وأدت إلى خسائر كبيرة في الأرواح والمحاصيل الزراعية، كما تعرضت مناطق واسعة لموجات جفاف طويلة ساهمت في اتساع التصحر وتراجع الإنتاج الزراعي.. أما في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت الظواهر المناخية أكثر تكرارًا وشدة، حيث ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وازدادت العواصف الترابية، وأصبحت الأمطار أكثر اضطرابًا، مع تسجيل سيول مفاجئة في عدد من الولايات. وتشير النماذج المناخية إلى أن السودان مرشح خلال العقود المقبلة لمزيد من الارتفاع في درجات الحرارة، مع تزايد عدم انتظام الأمطار، وارتفاع احتمالات الظواهر الجوية العنيفة، ما لم تُتخذ إجراءات فعالة للتكيف مع تغير المناخ. كيف يمكن تقليل المخاطر؟:علم الطبيعة
تتطلب مواجهة الطقس المتطرف رؤية وطنية متكاملة تقوم على تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير شبكات تصريف مياه الأمطار، وتحديث البنية التحتية لتصبح أكثر قدرة على مقاومة الفيضانات والعواصف. *كما ينبغي دعم البحوث المناخية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتشجيع الزراعة المقاومة للجفاف، والتوسع في مشروعات التشجير ومكافحة التصحر، مع دمج اعتبارات تغير المناخ في خطط التنمية وإعادة الإعمار. *وفي ظل استمرار الحرب، تصبح حماية البيئة والموارد الطبيعية جزءًا لا يتجزأ من حماية الأمن القومي، لأن استقرار الدول لم يعد مرتبطًا فقط بالحدود والسلاح، بل أيضًا بقدرتها على التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة. *لقد دخل السودان بالفعل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الكوارث الطبيعية أحداثًا استثنائية، بل باتت جزءًا من المشهد العام. ومع استمرار تغير المناخ عالميًا، فإن بناء القدرة على التكيف والاستعداد للكوارث لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان أمن الدولة واستقرار المجتمع وحماية مستقبل الأجيال القادمة.