السودان بين بكين وواشنطن: حين يعيد الآخرون ترتيب الإقليم والسودان غارق في الحرب

هشام يوسف عبد الرحمن

لم يكن الدافع إلى كتابة هذه السطور حدثاً سودانياً جديداً، بقدر ما كانا حدثين وقعا في محيط السودان خلال أسابيع قليلة، لكنهما يبدوان، عند وضعهما في سياقهما الإقليمي، أوسع بكثير من مجرد خبرين دبلوماسيين. ففي الأول والثاني من سبتمبر 2026، وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في زيارة هي الأولى له إلى مصر منذ عشر سنوات، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت واشنطن وأديس أبابا قد اتفقتا، في أواخر أغسطس، على الارتقاء بعلاقاتهما العسكرية والأمنية إلى مستوى “شراكة استراتيجية شاملة”، بعد مشاورات عقدت في البنتاغون يومي 19 و20 أغسطس، وأعلن الاتفاق رسمياً في 21 أغسطس. ووفق ما أعلن عن الشراكة الأمريكية – الإثيوبية، فإنها تستهدف توسيع التعاون المؤسسي والعسكري والدبلوماسي وبناء تعاون دفاعي طويل الأمد، مع ربط ذلك بأمن واستقرار القرن الأفريقي والمناطق المجاورة.

قد يبدو الحدثان، للوهلة الأولى، شأناً مصرياً – صينياً وشأناً أمريكياً – إثيوبياً، لكن موقع السودان يجعل الفصل بينهما وبين مستقبله أمراً بالغ الصعوبة. فالسودان يقع بين مصر وإثيوبيا، ويطل على البحر الأحمر، ويحتل موقعاً فريداً في حوض النيل والقرن الأفريقي، ويمتد بعمقه الطبيعي إلى العالم العربي وشرق ووسط أفريقيا. وفي الوقت الذي تعيد فيه دول المنطقة صياغة شراكاتها وتوسيع خياراتها الاقتصادية والأمنية والسياسية، يجد السودان نفسه غارقاً في حرب استنزفت الدولة والمجتمع والاقتصاد، وأضعفت قدرته على قراءة محيطه والتأثير فيه.

لذلك لا تكمن أهمية هذه التطورات في السؤال التقليدي: ماذا تعني زيارة شي لمصر؟ وماذا تعني الشراكة الأمريكية – الإثيوبية؟ وإنما في سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يعني أن تتحرك القوى من حول السودان، وتعيد ترتيب علاقاتها ومصالحها، بينما السودان نفسه لا يزال منشغلاً بالخروج من حربه؟

السياسة الدولية لا تتوقف إلى أن تنتهي الدول من أزماتها الداخلية. والدول التي تعيد ترتيب مواقعها اليوم لن تنتظر السودان حتى يستعيد عافيته لكي تحدد مصالحها في البحر الأحمر أو القرن الأفريقي أو التجارة والطاقة. لذلك ينبغي ألا تُقرأ هذه التطورات باعتبارها سلسلة أحداث منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في البيئة الاستراتيجية التي سيجد السودان نفسه داخلها.

ومع ذلك، سيكون من السهل أن نستنتج أن المنطقة تتجه إلى محور صيني – مصري في مواجهة محور أمريكي – إثيوبي، وأن السودان يقع في منتصف هذا الاستقطاب. لكن هذه القراءة أبسط من الواقع؛ فمصر التي تعمق شراكتها مع الصين لا تقطع علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وإثيوبيا التي ترتقي بعلاقتها الأمنية مع واشنطن تحتفظ بعلاقات واسعة مع الصين ودول الخليج وأوروبا وغيرها، كما أن الصين والولايات المتحدة، رغم تنافسهما، لا تتحركان دائماً في صورة معسكرين مغلقين.

الأدق أن نرى المشهد باعتباره إعادة توزيع للشراكات ومصادر القوة والنفوذ حول السودان. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودان ليس مع أي محور يقف، وإنما كيف يستعيد قدرته على معرفة مصالحه والتفاوض عليها، وكيف يحول موقعه وموارده وعلاقاته إلى عناصر قوة بدلاً من أن تتحول إلى أوراق يتنافس الآخرون على استخدامها.

وفي هذا السياق، يكتسب التحرك السعودي – السوداني أهمية خاصة. ففي 17 أغسطس 2026، وقّع السودان والمملكة العربية السعودية في الرياض اتفاقية تأسيس المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين البلدين، ووقّعها وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان. وتمثل الخطوة انتقالاً بالعلاقات بين البلدين إلى إطار مؤسسي أوسع للتعاون والتنسيق في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتجارية وغيرها.

ولا تكمن أهمية هذه الخطوة في الاتفاق نفسه فقط، وإنما في أنها تفتح أمام السودان مجالاً لبناء شبكة شراكات إقليمية أكثر انتظاماً. فالعلاقة مع السعودية، بحكم الجغرافيا والبحر الأحمر والروابط الاقتصادية والتاريخية، يمكن أن تكون أحد أعمدة هذه الشبكة، إلى جانب علاقاته مع مصر والصين والولايات المتحدة وإثيوبيا وغيرها. وهنا يصبح السودان طرفاً فاعلاً في إعادة بناء علاقاته، لا مجرد متلقٍ لتحولات تجري من حوله.

ومن هذه الزاوية تبدو زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة أكثر من مجرد زيارة دولة. فالمعلومات المصاحبة لها تشير إلى رغبة في توسيع العلاقات المصرية – الصينية من التجارة والاستثمار التقليديين إلى التكنولوجيا والتصنيع والطاقة وسلاسل الإمداد، بما يعزز موقع مصر بوصفها مركزاً يربط الإنتاج والاستثمار الصيني بالأسواق العربية والأفريقية. ومصر، بحكم قناة السويس والبحر الأحمر والبحر المتوسط وموقعها الأفريقي، تملك مقومات تجعلها شريكاً مهماً في هذه الرؤية.

وهنا يظهر السودان بصورة مختلفة. فهو لا يقع جنوب مصر فحسب، بل يمتد على الساحل الآخر للبحر الأحمر، ويمكن لموقعه أن يربط هذا الممر البحري بعمق أفريقي واسع. فإذا كانت مصر تعزز موقعها في التصنيع واللوجستيات والربط بين الأسواق، فإن السودان يملك موارد وأراضي وامتداداً أفريقياً يمكن أن يجعله جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع، لكنه يفتقر حالياً إلى الدولة المستقرة القادرة على تحويل هذه المقومات إلى مشروع.

وفي الاتجاه الآخر جاءت الخطوة الأمريكية – الإثيوبية. ولا توجد في المعطيات المتاحة قاعدة تسمح بالقول إنها موجهة ضد السودان أو مصر، لكن يصعب أيضاً اعتبارها بلا صلة بمصالح السودان. فإثيوبيا دولة مركزية في القرن الأفريقي ودولة منبع للنيل، ولها طموحات مرتبطة بالتجارة والطاقة والوصول إلى البحر، بينما تنظر واشنطن إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر باعتبارهما منطقتين مهمتين في أمن الملاحة والتجارة الدولية والتنافس على النفوذ.

المغزى السوداني من هذه التطورات ليس أن الآخرين “يخططون للسودان”، وإنما أن الآخرين يتحركون وفق مصالحهم، بينما السودان غائب إلى حد كبير عن صياغة البيئة المحيطة به. وهذه هي المفارقة: يمتلك السودان أوراقاً جغرافية واقتصادية وتاريخية مهمة، لكنه فقد جزءاً كبيراً من القدرة على تحويلها إلى نفوذ وشراكات وقوة تفاوضية.

ولفهم ما يمكن أن تعنيه استعادة هذه القدرة، تكفي العودة إلى تجربة السودان مع الصين في منتصف التسعينيات. ففي ذلك الوقت كانت الصين نفسها في بداية تحول اقتصادي هائل، ولم تكن بعد القوة الاقتصادية التي نعرفها اليوم؛ كانت تبحث عن مصادر جديدة للطاقة، وتدفع شركاتها الوطنية إلى الخارج في إطار سياسة “الخروج إلى العالم”، بينما كان السودان يعيش عزلة دولية خانقة وحرباً أهلية وأزمة اقتصادية حادة بعد انسحاب الشركات الغربية من قطاع النفط. ومع ذلك، وبفطنة سياسية واستبصار بما يمكن أن تصبح عليه الصين، لم يكتفِ السودان بانتظار الشريك التقليدي أو الخيار الذي يبدو أكثر معقولية وفق حسابات ذلك الزمان، بل سعى إلى بكين، مدركاً أن الصين الصاعدة قد تكون شريكاً قادراً على تحمل المخاطر وتوفير التمويل والتكنولوجيا. وفي المقابل، وجدت الصين في السودان فرصة لتأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، واكتساب خبرة مهمة في الاستثمار النفطي الخارجي، وتحويل توجهها نحو الخارج إلى ممارسة عملية.

بدأت الاتصالات عام 1994، ثم جاءت الخطوة الرسمية في 26 سبتمبر 1995، خلال زيارة الرئيس السوداني إلى بكين، بتوقيع اتفاقية تقاسم إنتاج النفط مع الشركة الصينية الوطنية للبترول CNPC، ومنحتها حقوق الاستكشاف والتطوير في مربع 6 بمنطقة بليلة في حوض المجلد. وتوسعت المشاركة الصينية في العام التالي، وفي 1997 تشكلت شركة النيل الكبرى لعمليات البترول GNPOC بمشاركة CNPC وبتروناس الماليزية وسودابت السودانية والشريك الكندي.

لكن أهمية التجربة لم تكن في اكتشاف النفط واستخراجه فقط. فقد تطلب المشروع بناء منظومة متكاملة شملت منشآت الإنتاج، وخط أنابيب تجاوز 1500 كيلومتر، ومصفاة الخرطوم، والبنية اللازمة لنقل النفط إلى البحر الأحمر وتصديره. وفي 1999 خرجت أول شحنة نفط سودانية تجارية إلى الأسواق، فتحول مشروع كان يبدو في بدايته شديد المخاطرة إلى منظومة إنتاج ونقل وتكرير وتصدير متكاملة.

وهنا تصبح قصة البترول أكبر من النفط نفسه. فليس صحيحاً تاريخياً القول إن السودان “أدخل الصين إلى أفريقيا”، إذ كانت للصين علاقات واسعة مع دول أفريقية قبل ذلك. لكن السودان كان إحدى الساحات الأفريقية المبكرة المهمة التي انتقلت فيها العلاقة مع الصين من التعاون السياسي والتجاري إلى شراكة استثمارية استراتيجية متكاملة، وكان النفط السوداني أحد أبرز ميادين هذا التحول. وفي المقابل، استفادت الصين من السودان في تأمين احتياجاتها من الطاقة، واكتساب خبرة في الاستثمار النفطي الخارجي، بينما استفاد السودان من التمويل والتكنولوجيا والقدرة على تنفيذ مشروع متكامل في ظروف شديدة الصعوبة.

والدرس الذي يهم السودان اليوم ليس استعادة تجربة النفط كما كانت، وإنما استعادة روح المبادرة التي صنعتها. فقد التقت حاجة السودان إلى التمويل والتكنولوجيا مع حاجة الصين إلى الطاقة وفرص الاستثمار، والتقت مبادرة السودان بالبحث الصيني عن فرص خارجية، فتحولت المصالح المتبادلة إلى مشروع متكامل. أما السودان اليوم، فالمشكلة ليست في غياب الموارد أو الشركاء المحتملين، وإنما في غياب الرؤية القادرة على جمع موارده وموقعه وعلاقاته داخل مشروع واحد. بالإضافة الي ذلك، هذه التجربة تقدم بصورة واضحة: العلاقة الدولية الناجحة لا تبدأ دائماً من الطرف الأقوى؛ أحياناً تبدأ من دولة ترى فرصة وتملك الجرأة على المبادرة. ففي التسعينيات ذهب السودان إلى الصين، واليوم يحتاج إلى أن يستعيد القدرة على الذهاب إلى العالم بخطة واضحة، بحيث تتحول موارده وموقعه إلى إنتاج وقيمة مضافة، لا إلى مجرد مواد خام أو ساحات تنافس.

فالسودان يملك البحر الأحمر، والأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية، والذهب والمعادن، والطاقة، وموقعاً يربط العالم العربي بعمق أفريقيا. لكن القيمة الحقيقية لهذه الموارد لا تظهر إذا بقي كل منها منفصلاً عن الآخر. فالزراعة تحتاج إلى المياه والطاقة والنقل، والموارد المعدنية تحتاج إلى التصنيع، والموانئ تحتاج إلى إنتاج وأسواق، والبحر الأحمر يحتاج إلى بنية لوجستية تربطه بالداخل السوداني وبالأسواق الإقليمية.

وهنا يمكن أن تتبلور رؤية تتجاوز فكرة الشراكات المنفردة إلى تكامل سوداني – مصري – سعودي، وتكتسب هذه الرؤية زخماً إضافياً في ضوء الحراك السعودي– المصري المتصاعد، ولا سيما زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر 2026 ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في توقيت تتزايد فيه أهمية التنسيق بين البلدين حول أمن البحر الأحمر والملاحة وقناة السويس والملفات الإقليمية.

وإذا كانت القاهرة والرياض تمضيان في بناء شراكة أكثر تكاملاً، فإن السودان لا ينبغي أن ينظر إلى ذلك من الخارج، بل أن يرى فيه فرصة لإعادة تعريف موقعه داخل هذا المجال. فالدول الثلاث لا يجمعها البحر الأحمر والجوار والمصالح المتداخلة فحسب، وإنما تتكامل عناصر قوتها بصورة لافتة: السودان بما لديه من أراضٍ زراعية وموارد مائية وثروة حيوانية ومعادن وامتداد أفريقي، ومصر بما تملكه من قاعدة صناعية وبنية تحتية وقناة السويس، والسعودية بما لديها من رأس مال وطاقة وقدرات استثمارية وموانئ وأسواق. وإذا جرى وصل هذه العناصر ضمن رؤية واحدة، فإنها تستطيع أن تنتقل من مجرد علاقات جوار وشراكات متفرقة إلى منظومة اقتصادية استراتيجية، يتحول فيها البحر الأحمر من حد فاصل بين ضفاف متقابلة إلى بحيرة اقتصادية مترابطة، تمتد منها سلاسل الإنتاج والتجارة والطاقة والغذاء والنقل بين السودان ومصر والسعودية، وتفتح في الوقت نفسه بوابة أوسع إلى أفريقيا والعالم.

يمكن أن يبدأ ذلك من الأمن الغذائي والزراعة، وربط مناطق الإنتاج السودانية بالموانئ، وتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية، والتكامل في الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، وربط الموانئ السودانية والمصرية والسعودية بشبكات تجارة واستثمار أوسع. وعندها يمكن للبحر الأحمر أن يتحول من مساحة تفصل بين ضفتيه إلى بحيرة اقتصادية تربطهما، بحيث يصبح استقراره وتنميته مصلحة مشتركة، لا مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الدولية.

وهذه الرؤية لا تعني إغلاق الباب أمام الصين أو الولايات المتحدة أو غيرهما، بل العكس تماماً. فتكامل السودان مع محيطه العربي يمكن أن يصبح قاعدة أوسع لانفتاحه على العالم. ويمكن للصين أن تكون شريكاً في التصنيع والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، وللولايات المتحدة والغرب دور في الاقتصاد والتعليم والصحة والتكنولوجيا والاستثمار وبناء المؤسسات، فيما تشكل مصر والسعودية وإثيوبيا وبقية دول المنطقة دوائر أساسية في التجارة والطاقة والأمن والاستقرار.

ويظهر ذلك بوضوح في البحر الأحمر. فالساحل السوداني ليس مجرد مساحة يمكن أن تجذب الاهتمام العسكري، بل جزء من منظومة اقتصادية عالمية ترتبط بقناة السويس والتجارة بين آسيا وأوروبا والأسواق الأفريقية. لذلك ينبغي ألا يكون الهدف تحويله إلى ساحة قواعد وتنافس، وإنما إلى مركز للموانئ الحديثة والخدمات البحرية والمناطق الصناعية والطاقة والتجارة واللوجستيات، وربط البحر الأحمر بالداخل السوداني وبأسواق شرق ووسط أفريقيا.

والنيل لا يختلف. فالسودان ليس مجرد دولة تقع بين مصر وإثيوبيا، ولا طرفاً ثانوياً في خلافاتهما المائية؛ بل إن سد النهضة الإثيوبي يضع السودان أمام مخاطر كارثية، حقيقية، مباشرة ومحددة بحكم موقعه الجغرافي، لا سيما ما يتعلق بسلامة السد، وانتظام تدفقات المياه، وآثار أي تشغيل أو تفريغ طارئ على الأراضي والمنشآت والسكان السودانيين، كما حدث في العامين 25-2026م. ومن ثم فإن للسودان مصلحة مستقلة ومباشرة في كل ما يتعلق بالسد، ولا يمكن اختزال موقفه في كونه امتداداً للموقف المصري أو الإثيوبي. وإذا استعاد استقراره وقدرته على الفعل، يستطيع أن يتعامل مع قضية النيل من موقع الدولة صاحبة المصلحة المستقلة، وأن يجعل المياه والطاقة والزراعة والأمن الغذائي مجالات للتعاون الإقليمي، بحيث يصبح استقرار السودان جزءاً من معادلة استقرار النيل.

لكن كل ذلك يتوقف على المشكلة التي لا يمكن تجاوزها: الحرب.

فالحرب السودانية ليست مجرد نتيجة لتنافس القوى الخارجية، ولا يجوز اختزالها في حرب بالوكالة فقط؛ جذورها داخلية وعميقة، ومسؤولياتها وصراعاتها السودانية لا يمكن محوها بإلقائها كلها على الخارج. لكن استمرارها خلق بيئة مفتوحة للتدخلات الخارجية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، وكلما ضعفت مؤسسات الدولة، ازدادت مساحة الآخرين داخل المشهد السوداني.

والأخطر أن الحرب لا تدمر الاقتصاد فقط، وإنما تدمر القدرة على التفاوض. فالدولة المنهكة لا تستطيع أن تفاوض على الموانئ من موقع قوي، ولا أن تضع شروطاً عادلة لاستغلال مواردها، ولا أن تبني سياسة خارجية مستقلة أو تستثمر موقعها في البحر الأحمر وحوض النيل. ولهذا فإن إنهاء الحرب ليس قضية إنسانية وسياسية فقط، بل هو أيضاً مشروع للأمن القومي والسياسة الخارجية السودانية.

بعد الحرب، لا ينبغي أن يكون خيار السودان الانحياز إلى طرف ضد آخر، بل أن يتعامل مع تعدد القوى باعتباره فرصة. فالصين ليست بديلاً عن أمريكا، وأمريكا ليست بديلاً عن الصين، ومصر ليست بديلاً عن السعودية، والسعودية ليست بديلاً عن مصر، وإثيوبيا ليست بديلاً عن أي منهما. لكل طرف مصالحه، وللسودان مصالحه.

السؤال الصحيح ليس: من نختار؟ بل: ماذا نريد من كل طرف؟ شراكات استثمارية وصناعية وتقنية مع الصين، وعلاقات اقتصادية ومؤسسية وتكنولوجية مع الولايات المتحدة والغرب، وتكاملاً اقتصادياً وتجارياً مع مصر والسعودية، وتعاوناً مستقراً مع إثيوبيا، وانفتاحاً على الخليج وأوروبا وآسيا وأفريقيا وفق رؤية سودانية واضحة. فالمطلوب ليس جمع العلاقات، وإنما تحويلها إلى مصالح متبادلة تجعل استقرار السودان وقوته مصلحة للآخرين أيضاً.

إن زيارة شي جين بينغ لمصر، والتطور في الشراكة الأمريكية – الإثيوبية، وإنشاء المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية، لا تكفي للقول إن هناك مخططاً واحداً يعيد رسم المنطقة من أجل السودان أو ضده. لكنها تكشف حقيقة أهم: البيئة المحيطة بالسودان تتحرك، والدول تعيد بناء شراكاتها ومواقعها المستقبلية.

ولهذا لا يحتاج السودان إلى أن يبحث عن أهمية جديدة لنفسه؛ فموقعه على البحر الأحمر، ومكانته في حوض النيل، وموارده، وامتداداته العربية والأفريقية تمنحه أوراقاً حقيقية. وما يحتاجه هو دولة تعرف كيف تستخدم هذه الأوراق، وتبني تكاملاً اقتصادياً مع محيطها، وتنفتح على القوى الدولية من موقع المصلحة، وتحول البحر الأحمر إلى فضاء للتنمية، والموارد إلى قيمة مضافة، والنيل إلى مجال للتعاون مع حماية المصالح السودانية.

وقبل كل ذلك، تحتاج إلى أن تدرك أن إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة ليسا مرحلة تسبق السياسة الخارجية، بل شرطها الأول. فالدول الأخرى لن تتوقف عن البحث عن مصالحها، ولن تنتظر السودان حتى يستعيد عافيته. وإذا استعاد السودان دولته ومبادرته وقدرته على التفاوض، فلن يكون مضطراً إلى الاختيار بين بكين وواشنطن، أو بين القاهرة والرياض وأديس أبابا؛ بل يستطيع أن يجعل موقعه وموارده وعلاقاته أساساً لمشروع نهضة حقيقي.

عندها لن يكون السؤال: من يملك النفوذ في السودان؟ بل: من يريد أن يكون شريكاً للسودان؟

Exit mobile version