فضاءات – إبراهيم إسماعيل
قوة الوطن تقاس بالإنسان
في زمن الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من السلاح، بل بقدرتها على حماية الإنسان وصيانة نسيجها الاجتماعي، والحفاظ على الأمل حيًّا في وجدان شعبها.
والسودان اليوم يواجه اختبارًا تاريخيًا معقدًا، تتداخل فيه التحديات السياسية والعسكرية والإنسانية، ما يفرض مراجعة عميقة للمسار الوطني وبحثًا جادًا عن أفق مستدام يضمن وحدة المجتمع واستقراره.
التضامن الإنساني: أمريكا والعرب والمغتربون
تحتفظ الذاكرة السودانية برصيد مهم من التضامن الإنساني، خاصة خلال مجاعة الثمانينيات في دارفور، حيث تضافرت جهود دول ومنظمات لإغاثة المتضررين.
وكان للولايات المتحدة الأمريكية دور بارز عبر تقديم مساعدات غذائية واسعة في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان، حتى أطلقت بعض المجتمعات المحلية على نوع الذرة التي وصلت من أمريكا اسم “ريغان” تكريمًا للجهود الإنسانية.
كما برز الدعم العربي، خاصة من قطر والكويت والسعودية ومصر، امتدادًا لعلاقات تاريخية وأخوية، إلى جانب مساهمات المغتربين السودانيين في دعم الاقتصاد والمجتمع من خلال تحويلاتهم المالية وخبراتهم المهنية، ما جعل تجربتهم نموذجًا للتكامل الإنساني والاقتصادي.
السلام: قطر في قلب التوافق
امتد هذا التراكم الإنساني إلى مسارات السلام، بمساهمة بارزة من دولة قطر، عبر استضافة جولات تفاوضية ودعم جهود التوافق بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة، بالإضافة إلى محطات مثل اتفاق سلام دارفور واتفاق جوبا، في محاولة لإدماج الحركات المسلحة وتهيئة بيئة للاستقرار.
ويعكس ذلك أهمية العمل المشترك بين الداخل والخارج لإنهاء النزاعات، بينما يظل السودان حاضرًا في القضايا العربية الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، انطلاقًا من التزامه الإنساني والتاريخي، وعبر دعم حقوق الشعوب في الحرية والكرامة.
إثيوبيا والتوترات الإقليمية: وكيل في الصراع
تلعب إثيوبيا دورًا في التوترات مع السودان، فهي تعيش تناقضاتها الداخلية والعرقية الهشة، وتسعى لتوحيد جبهتها الداخلية على حساب السودان، في محاولة يائسة لإضعاف علاقات السودان الاستراتيجية مع جمهورية مصر الشقيقة.
لذلك يحتاج السودان إلى قراءة متأنية لموقعه الجغرافي والسياسي، والاستفادة من شبكة علاقاته الإقليمية والدولية لتفويت الفرص على من يحاول استغلال أزماته الداخلية، مع الحفاظ على التوازن الإقليمي وأمنه الاستراتيجي.
رؤية استراتيجية نحو المستقبل
ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، والحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تتعقد المشهدية أكثر في المنطقة، ما يفرض على السودان انتهاج سياسة خارجية أكثر توازنًا ووعيًا، تحمي مصالحه وتجنّبه الانزلاق في محاور الصراع الدولي.
حيث ، تظهر الحاجة إلى تبني رؤية استراتيجية متوازنة تقوم على تفعيل أدوات الدبلوماسية وبناء علاقات متوازنة ، بعيدًا عن الأيديولوجيات التي لا تخدم المصلحة الوطنية.
فالرهان الحقيقي يظل على وعي الشعب السوداني، وعلى إرادة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.