محمد كمير
١٦ مارس ٢٠٢٦
حين كتب الاقتصادي البريطاني Paul Collier عن ما أسماه «اقتصاد الحروب الأهلية»، كان يحاول أن يلفت الانتباه إلى جانب غالبًا ما يظل في الظل عند الحديث عن النزاعات المسلحة. فالحروب، في نظره، ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل هي أيضًا عملية اقتصادية معقدة تعيد تشكيل طرق الإنتاج والتجارة وتوزيع الموارد. ومع مرور الوقت، لا ينهار الاقتصاد ببساطة كما قد يُتصور، بل يعيد ترتيب نفسه وفق منطق مختلف، حيث تنشأ شبكات مالية وتجارية جديدة تعمل أحيانًا خارج الهياكل التقليدية للدولة.
في هذا الإطار، تتحول الموارد الطبيعية إلى مركز الثقل في اقتصاد الصراع. فالذهب أو النفط أو غيرهما من الموارد القابلة للتصدير السريع يصبحون أدوات تمويل أساسية، ليس فقط لدعم النشاط الاقتصادي بل أحيانًا لتمويل استمرار النزاع نفسه. وقد لاحظ كولير في دراساته، خاصة تلك المرتبطة بأبحاث البنك الدولي حول اقتصاديات النزاعات، أن الحروب كثيرًا ما تولّد ما يمكن تسميته «اقتصاد الريع القائم على الموارد». في هذا النمط الاقتصادي، تتركز الأنشطة الرئيسية حول عدد محدود من القطاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية، بينما تتراجع القطاعات الإنتاجية الأخرى تدريجيًا.
عند النظر إلى السودان في السنوات الأخيرة، تبدو هذه الفكرة أقرب إلى الواقع مما قد يبدو للوهلة الأولى. فالبنية الاقتصادية للبلاد شهدت تحولات عميقة، خصوصًا في مجال التجارة الخارجية. الذهب، الذي أصبح المورد الأكبر للعملات الأجنبية، بات يشكل العمود الفقري للاقتصاد في ظل تراجع قطاعات أخرى كانت تاريخيًا أكثر حضورًا مثل الزراعة والصناعة. لكن الملاحظة اللافتة ليست في أهمية الذهب بحد ذاته، بل في الطريقة التي يتم عبرها تنظيم تجارته وتصديره.
ففي كثير من الحالات، يمر تصدير الذهب عبر شركات ذات طابع شبه حكومي أو عبر كيانات ترتبط بدرجات متفاوتة بمؤسسات الدولة أو بمراكز القوة داخلها. الصورة ذاتها تظهر أيضًا في قطاع الطاقة، حيث تبدو عمليات استيراد الوقود ومشتقاته متركزة في عدد محدود من الشركات القريبة من الهياكل الرسمية. ومع مرور الوقت، يصبح الاقتصاد أقل اعتمادًا على شبكة واسعة من الفاعلين الاقتصاديين، وأكثر تمركزًا حول عدد محدود من المؤسسات التي تمتلك القدرة على الوصول إلى الموارد أو إلى قنوات التجارة الخارجية.
هذا النمط ليس غريبًا على الاقتصادات التي تعيش في ظروف حروب. ففي الأدبيات الاقتصادية المتعلقة باقتصاد الحروب، غالبًا ما يُنظر إلى مثل هذه الظواهر بوصفها نتيجة طبيعية لتراجع قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد التقليدي. عندما تضعف المؤسسات المالية ويصبح تحصيل الضرائب أكثر صعوبة، تميل الحكومات إلى التركيز على الموارد التي يمكن السيطرة عليها بسهولة. الذهب، بحكم قيمته العالية وسهولة نقله وتخزينه، يصبح موردًا مثاليًا في مثل هذه الحالات. أما الوقود، فهو شريان الحياة لأي اقتصاد، وبالتالي فإن السيطرة على استيراده وتوزيعه تمنح نفوذًا واسعًا في السوق.
كولير يذهب أبعد من ذلك في تحليله، إذ يرى أن اقتصادات الحروب تميل بطبيعتها إلى تركيز السلطة الاقتصادية في عدد محدود من الفاعلين. فبدل أن يعمل الاقتصاد وفق آليات السوق التنافسية، يبدأ النشاط الاقتصادي في التمركز حول كيانات قليلة تمتلك مفاتيح الوصول إلى الموارد أو إلى التجارة الخارجية. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الكيانات إلى ما يشبه «الدولة الاقتصادية المصغرة»، حيث تمتلك أدوات التمويل والتجارة والتوزيع داخل الاقتصاد الوطني.
غير أن السودان ليس الحالة الوحيدة التي شهدت مثل هذه التحولات. فالتجارب الاقتصادية في عدد من الدول الإفريقية التي مرت بحروب طويلة تظهر نمطًا مشابهًا. ففي بعض تلك الدول، أصبحت شركات مرتبطة بالدولة أو بالمؤسسة العسكرية . وفي حالات أخرى، تولت كيانات شبه حكومية إدارة واردات السلع الاستراتيجية مثل الوقود أو الحبوب. وفي جميع هذه الحالات، كانت النتيجة واحدة تقريبًا: الحرب تعيد ترتيب مراكز القوة داخل الاقتصاد بحيث تصبح السيطرة على الموارد أكثر أهمية من الكفاءة الاقتصادية نفسها.
لكن السؤال الأكثر تعقيدًا لا يتعلق بالحرب وحدها، بل بما يحدث بعدها. فاقتصاد الحرب، كما يشير كولير، لا يختفي تلقائيًا مع توقف القتال. الهياكل التي تشكلت خلال سنوات النزاع غالبًا ما تستمر لأنها أصبحت جزءًا من التوازن السياسي والاقتصادي الجديد. وهنا تكمن المفارقة؛ فالمؤسسات التي نشأت في زمن الحرب لإدارة الموارد قد تتحول لاحقًا إلى عقبة أمام بناء اقتصاد تنافسي متنوع.
في السودان، يقدم قطاع الذهب مثالًا واضحًا على هذه الديناميات. فمع تراجع القطاعات الإنتاجية التقليدية، أصبح الذهب المصدر الأساسي للنقد الأجنبي. لكن هذا الاعتماد الكبير على مورد واحد يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه. حين تتركز الإيرادات في قطاع واحد، تصبح إدارة هذا القطاع قضية سياسية بقدر ما هي اقتصادية، ويزداد وزن الجهات القادرة على التحكم في سلاسل الإنتاج والتصدير.
غير أن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا عندما يوضع داخل السياق الجيوسياسي الأوسع. فالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الجارية لا تؤثر فقط على موازين القوى العسكرية في الشرق الأوسط، بل تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية للطاقة والمعادن. وقد ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل في مارس 2026 مع تعطل بعض الإمدادات وتصاعد التوتر حول مضيق هرمز. في الوقت نفسه، ارتفع الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة في فترات الاضطراب الجيوسياسي.
بالنسبة للسودان، لا تبقى هذه التطورات مجرد أخبار في الأسواق العالمية. فاقتصاد يعتمد إلى حد كبير على صادرات الذهب وعلى استيراد الوقود يتأثر مباشرة بأي تغير في أسعار هاتين السلعتين. هنا يصبح الاقتصاد المحلي جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع، حيث تنتقل الصدمات العالمية إلى الداخل عبر قنوات التجارة والأسعار.
من زاوية تحليل كولير، هذه اللحظات تكشف بوضوح كيف تتحول الحروب الدولية إلى عامل يعيد توزيع القوة الاقتصادية داخل الدول الهشة. فالذهب، عندما يرتفع سعره عالميًا، لا يزيد فقط من عائدات التصدير، بل يزيد أيضًا من قيمة السيطرة على المناجم وعلى طرق النقل وعلى منافذ التصدير. ومع إنتاج يقدر بعشرات الأطنان سنويًا، يصبح أي تغير في السعر العالمي عاملًا مباشرًا في إعادة تشكيل موازين القوة داخل الاقتصاد السوداني.
أما النفط، فالصورة فيه أكثر تعقيدًا. فالسودان اليوم ليس مستفيدًا صافياً من ارتفاع أسعار النفط، لأن اقتصاده يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد أكثر من الإنتاج المحلي، خصوصًا بعد تراجع قدرات التكرير وتضرر البنية التحتية للطاقة خلال الحرب. لذلك فإن ارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة تحسنًا اقتصاديًا، بل قد يعني ببساطة ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل والإنتاج. وفي مثل هذه الظروف، تتعاظم أهمية الجهات القادرة على تأمين العملة الصعبة وعلى إدارة عمليات الاستيراد والتوزيع.
إذا استمرت الحرب الإقليمية لفترة محدودة، فمن المرجح أن يزداد وزن الذهب داخل الاقتصاد السوداني أكثر مما هو عليه اليوم. ارتفاع الأسعار العالمية قد يمنح الشبكات القادرة على التصدير قدرة مالية أكبر، بينما تتعرض بقية القطاعات لضغوط متزايدة بسبب ارتفاع كلفة الوقود والنقل. في مثل هذا الوضع، قد يتحول الذهب إلى ما يشبه «مركز السيولة» في الاقتصاد، أي القطاع الذي يوفر العملة الأجنبية اللازمة للاستيراد ويمنح من يسيطر عليه نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا متزايدًا.
أما إذا طال أمد الصراع واتسعت آثاره على الملاحة والطاقة العالمية، فقد يواجه الاقتصاد السوداني معادلة أكثر تعقيدًا. فبينما قد ترتفع إيرادات الذهب اسمياً، قد تبتلع تكاليف الوقود والسلع الأساسية جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة. وفي هذه الحالة، قد تتعاظم قوة الكيانات التي تتحكم في قنوات الاستيراد والتوزيع، لأن الندرة نفسها تصبح مصدرًا للنفوذ الاقتصادي.
ويبقى السيناريو الأكثر حساسية هو اتساع الاضطراب الإقليمي إلى درجة تؤثر على طرق التجارة في البحر الأحمر أو على قنوات السودان التجارية مع الخارج. في مثل هذه الظروف، لا تكون المشكلة في الأسعار بقدر ما تكون في القدرة على الوصول إلى السوق. وعندما تصبح طرق التجارة غير مستقرة، تزداد أهمية المسارات البديلة والوسطاء والشبكات غير الرسمية، بينما تتراجع القنوات الاقتصادية التقليدية.
في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للسودان هو ما إذا كان سعر النفط أو الذهب سيرتفع أو ينخفض. السؤال الأعمق هو من الذي سيملك القدرة على التحرك داخل هذه التحولات الاقتصادية. فإذا ارتفعت أسعار الذهب، ستزداد قوة الجهات التي تتحكم في تصديره. وإذا ارتفعت تكلفة الطاقة واشتدت ندرة الدولار، ستتعاظم قوة الجهات التي تتحكم في استيراد الوقود. وإذا اجتمع العاملان معًا، فقد يتجه الاقتصاد السوداني أكثر نحو النموذج الذي وصفه كولير ضمنيًا: اقتصاد تشكله ظروف الحرب، حيث لا تحدد الكفاءة وحدها مراكز القوة، بل تحددها أيضًا السيطرة على الموارد الاستراتيجية ومساراتها.