نصف رأي
خالد التيجاني النور
1
إن كانت ثمة حقيقة واحدة سينتهي عليها المشهد الدولي، بغض النظر عن متي وكيف ستنتهي الحرب العالمية الثالثة المشتعلة في منطقة الخليج في جولتها الرابعة، والتي لا تقتصر آثارها على جبهات القتال الساخنة حالياً وتمتد لما وراءها وقد مسّت تبعاتها وتداعياتها أركان المعمورة الأربع، فإن التحوّلات الجيوسياسية – اقتصادية الاستراتيجية التي ستعقبها ستخلق واقعاً جديداً في توازنات القوة والمصالح الدولية الراهنة تنبئ بأفول عصرها الراهن، ولو بعد حين، لصالح معادلات جديدة تتشكّل بهدوء من وراء صخب المعارك، وما باتت تخلّفه من آثار لا تكاد تسلم دولة من عقابيلها، من كان منها في دائرة القرب الجغرافي، أو بعدت عنه، ولذلك استحقت تعريفها بأنها الحرب العالمية الثالثة حقيقة وليس ومجازاً، إذ لم تترك دولة بمنجاة من تبعاتها.
2
والحال هذه، والتي تكاد تكون محل إجماع بين أساطين التفكير الاستراتيجي، والخبراء السياسيين المرموقين، وصنّاع السياسات ومتخذي القرار في أغلب الدول والمجتمعات التي تتمتع بحس تاريخي عميق في إدراك شواهد وأسباب صعود وسقوط الإمبراطوريات، ومنعطفات التحوّلات الكبرى في خرائط التوازنات الدولية، لا تصل إلى هذه الخلاصات خبط عشواء، ولا بتحليلات رغبوية، بل تستند على وعي مدروس بطبيعة وسيرورة عملية إعادة تشكّل نظام عالمي جديد لا تزال تتفاعل عوامله، ولئن لم تتضح بعد معادلة توازناته النهائية، إلا أن ملامح سماته العامة تعزز من فرضية اضمحلال دورة عصر القطبية الأحادية.
3
غير أن السمة الأبرز لهذه الحرب، وإن كانت وقائعها تجري بأحدث التقنيات القتالية عن بعد، إلا أن ميدان تأثيرها البالغ القوة لا يأتي بفعل الأسلحة المتطورة، بل ما أحدثته، ولا تزال تحدثه بوتيرة متسارعة تداعياته وتبعاته في ميدان الاقتصاد الذي شكّلت تفاعلاته المستجيبة لتحديات الجغرافية السياسية لمضيق هرمز، الذي أثب تحكمّه كأحد أهم المعابر للتجارة الدولية، عامل الترجيح الأكثر تأثيراً في إعادة ضبط توازنات القوة التي جعلت التقنيات العسكرية الفتّاكة المتطورة للغاية محدودة الفاعلية في امتلاك الكلمة الأخيرة في حسم تداعيات حرب لم تعتد تقتصر على جبهات ميادين الاشتباكات القتالية.
4
من أجل فهم أعمق ومتابعة أوسع لحجم، ومدى ارتدادات حرب الخليج الرابعة على الاقتصاد سواء على المستوى العالمي، أو القاري، أو الإقليمي، وحتى على المستوى الداخلي التي لم ينعتق من تأثيراتها أية دولة، تفرد “إيلاف” في هذا العدد ملفاً خاصاً لرصد هذه التطورات الاقتصادية الهائلة التي كانت الأسرع تعبيراً في الكشف عن الطبيعة الاستثنائية لهذا الحرب الكاشفة عن حقيقة أنه بات لا مناص من إعادة تعريفها بحسبانها تجسيداً ل “حروب الاقتصاد، واقتصاد الحروب” تتجاوز تلك الأهداف ذات الطابع السياسي والعسكري التي كانت معلنة للتحالف الأمريكي- الإسرائيلي بادئ الأمر في عدوانه على إيران، وإن كان التنافس الاقتصادي ليس غائباً عنها في أجندة متخذي القرار الأمريكي لعرقلة ريادة الاقتصاد والتكنلوجيا الصينية المندفعة بقوة.
5
لعل من أهم ما يلفت النظر في شأن سيناريوهات اليوم التالي ما صرّح به مفوّض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن في مؤتمره الصحافي أمس على خلفية التداعيات الماثلة لهذه الحرب أنه “على أوروبا أن تستعد لواقع جديد”، مضيفاً في لهجة منذرة “ما أجده مهماً للغاية هو التصريح بوضوح تام، أنه حتى لو حلّ السلام غداً، فلن نعود إلى الوضع الطبيعي في المستقبل المنظور”، هذا ما يعني بوضوح شديد، أن التحوّلات الجيوسياسية واقتصادية الاستراتيجية التي ستتخلّق من هذه الحرب باتت في حكم الأمر الواقع، وليس مما يؤخذ من باب التحليلات أو التكهنّات، وبناءً على هذه الحقيقة الماثلة انطلقت التجمعات القارية، والإقليمية، وشبه الإقليمية، وحتى على مستوى الدول قي التعامل بجدية كاملة في إعادة موضعة نفسها، وتبني الاستراتيجيات، والسياسات، والخطط، والبرامج، والآليات والإجراءات التي تمكنّها من الصمود في مواجهة هذه التحوّلات المحتومة، التي لا يمكن تلافيها بغير مواجهة حقائقها.
6
والسؤال الذي يجب أن يشغل فضاءنا العام، أين موقع السودان في خضم هذه التطورات المتسارعة التي توشك على إحداث تغييرات في بنية العلاقات الدولية ليس في طبيعتها السياسية فحسب، بل في محكها الجوهري بما تفرزه من تحوّلات على المعادلات الاقتصادية، فإذا كان هذا هو الأمر الشاغل الذي يسيطر على أجندة القادة، ومراكز التفكير، في طول العالم وعرضه، فما بالنا في السودان الذي يقع في محيط جغرافي على مرمى حجر من الخليج مركز هذه التفاعلات، في غفلة عظيمة عن تبعاتها علينا سلباً إن وقفنا متفرجين، أو إيجاباً إن أدركنا أن هذه التطورات مثلما تحمل من المخاطر التي لم يسلم من تبعاتها البعيد قبل القريب، فإنها أيضاً تستبطن فرصاً ثمينة لمن يحسن قراءة ناموسها، ويعمل بوعي وفكر ثاقب وجدية من أجل اقتناص فرصها.
7
مما يؤسف له أنه لا أثر لما يمكن أن يعتبر انشغالاً على أي مستوى، رسمياً كان، أو سياسياً، أو أكاديمياً بتبعات هذه التحوّلات على السودان في المجالات كافة، لا سيما الاقتصادية، وهو ما يعكس امتداداً لضعف إن لم نقل غياب ما كان يستوجب ذلك أصلاً من حربنا التي تدخل عامها الرابع بلا دروس ولا عبر ولا عظة، دعك من أن نستمرأ الغفلة حتى عن حدث عالمي نحن في قلب محيطه وتأثيره الجغرافي المباشر دون وعي عن تبعات ذلك التي قد تزيد من ضبابية ومخاطر مصالحنا الوطنية العليا غير المعرّفة، وتهديد أمننا القومي الذي لا نزال نفشل في تعريفه وتحديد معالمه، كما هي فرصة لا تعوّض لاستدراك هذه الغفلة ببصيرة ووعي استراتيجي عميق لتعريف مصالح السودان العليا، ومحدّدات ومهدّدات أمنه القومي.
8
ورد في الأنباء في وقت سابق من هذا الأسبوع أن اللجنة الاقتصادية العليا برئاسة السيد رئيس الوزراء بحثت قضايا تتعلق بسياسات الصادر والوارد، المتواضعة الأداء مقارنة بموارد السودان الكامنة، واتخاذ إجراءات لمعالجة اختلالاتها، ومع التقدير لهذه المهمة المطلوبة بلا شك، إلا أنها ليست كافية وأدنى بكثير من المطلوب، قد تصلح مثل هذه الخطوات في ظل ظروف عادية، وفي ظل السقف المنخفض لطموحاتنا الاقتصادية الراهنة، إلا أنه بالإشارة لما أوردنا آنفاً في هذا المقال، فالأمر أعظم شأناً من أن يفوّت السودان هذه الفرصة التاريخية للاستثمار في إمكانياته الهائلة المهدرة، وفي تعظيم منافع موقعه الجيواستراتيجي، وهو أمر أخر ما يصلح لتحقيقه أن يسند للجان حكومية، وإجراءات بيروقراطية، فلو كان لها قدرة على الإنجاز لشهدنا حصادها سلفاً، وهو ما ظل عليه الحال مع تعاقب الأنظمة والحكومات على مدار عقود.
9
ما نحتاجه اليوم ثورة حقيقية في التفكير تغادر محطة فقر الخيال الذي ظل طابع إدارة شأن الاقتصاد السوداني، مع غياب القيادة المبصرة، والإرادة القوية القادرة على تبني رؤى مبتكرة، وإدارة ناجزة بحجم فرص موارد السودان الضخمة، وليس بذهنية إدارة الأزمات وملاحقة إطفاء الحرائق. ولكن أنّى لنا ذلك والبلد خاوية على عروشها من مركز تفكير وأبحاث في السياسات العامة ولو واحد يُعتد به، لا حكومي، ولا أكاديمي، ولا خاص.
فما الحل إذاً؟ هذا ما نرجو أن نتناوله بإذن الله في مقالنا القادم.