استضافت سفارة جمهورية السودان لدى المملكة المتحدة، يوم الثلاثاء 27 يناير 2026، لقاءً تنويرياً حول تطورات الأوضاع في السودان ومبادرة السلام الحكومية، نظّمه مركز البحوث الاستراتيجية للهجرة في القرن الأفريقي بالتعاون مع جمعية الأمم المتحدة – ويستمنستر والجنوب العالمي (UNA Westminster & Global South)، بحضور عدد من الأكاديميين والباحثين وممثلي منظمات المجتمع المدني والمهتمين بالشأن السوداني.
وخاطب اللقاء سعادة السفير بابكر الصديق محمد الأمين، رئيس بعثة السودان لدى المملكة المتحدة، مقدماً إحاطة شاملة حول تطورات الأوضاع في البلاد، مؤكداً أن ما يجري في السودان لا يمثل صراعاً سياسياً أو تنافساً على السلطة، بل هو “حرب عدوانية ممنهجة” تشنها مليشيا متمردة ضد الدولة ومؤسساتها والشعب السوداني، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
وأوضح السفير أن الحرب صاحبتها انتهاكات جسيمة شملت القتل الجماعي والتطهير العرقي والاعتداءات الواسعة على المدنيين، إلى جانب تدمير البنية التحتية ونهب الممتلكات العامة والخاصة.
وأكد أن الحكومة السودانية، رغم جسامة التحديات، ما تزال متمسكة بخيار السلام، مستعرضاً ملامح مبادرة السلام التي قدمها رئيس مجلس الوزراء إلى مجلس الأمن الدولي، والتي تنطلق من رؤية وطنية شاملة تهدف إلى إنهاء الحرب، والحفاظ على سيادة الدولة ووحدتها، وحماية المدنيين، واستعادة الأمن والاستقرار.
وأشار إلى أن المبادرة ترتكز على عدد من المبادئ الأساسية، من بينها:
•وقف شامل لإطلاق النار يتزامن مع انسحاب المليشيا المتمردة من المناطق التي تحتلها ونزع سلاحها وفق آليات دولية متفق عليها؛
•بسط سلطة الدولة الكاملة على أراضيها وإنهاء التمرد؛
•ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون تسييس أو استغلال؛
•إطلاق عملية سياسية سودانية–سودانية شاملة بعد استقرار الأوضاع الأمنية؛
•محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات وفق القانون الوطني والدولي، واعتماد العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية.
وشدد السفير على أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق عبر المساواة بين الدولة الشرعية والمليشيات المسلحة، ولا عبر فرض حلول خارجية تتجاوز الإرادة الوطنية، بل من خلال دعم مؤسسات الدولة واحترام سيادة السودان ووقف التدخلات الأجنبية التي تسهم في إطالة أمد الحرب.
من جانبه، أكد السيد ديفيد واردروب (David Wardrop)، رئيس جمعية الأمم المتحدة – ويستمنستر، أهمية الاستماع إلى الرواية السودانية الرسمية القائمة على الوقائع، داعياً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى القيام بدور أكثر فاعلية في حماية المدنيين وضمان احترام القانون الدولي الإنساني ومساءلة مرتكبي الجرائم.
وأشار واردروب إلى التداعيات الخطيرة لاستمرار الأزمة الإنسانية في السودان على المستويين الإقليمي والدولي، لا سيما في مجالات الهجرة والأمن والاستقرار، محذراً من تراجع دور الأمم المتحدة، ومؤكداً ضرورة إعادة تمكينها للقيام بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين.
كما قدّم كل من الأستاذة سمية حامد إبراهيم، رئيسة مركز البحوث الاستراتيجية للهجرة في القرن الأفريقي بالمملكة المتحدة، والدكتور بدر الدين البكري أبو حراز، المنسق العام للمركز، إلى جانب السيدة كيتي ماكونن (Ketye Makonnen)، رئيسة جمعية الأمم المتحدة – الجنوب العالمي، مداخلات تحليلية تناولت الأبعاد الإنسانية للحرب، وحجم النزوح الداخلي واللجوء عبر الحدود، وانعكاسات الصراع على دول الجوار ومنطقة القرن الأفريقي، مؤكدين أن معالجة جذور الأزمة تتطلب مقاربة شاملة تربط بين وقف الحرب وبناء الدولة والتنمية المستدامة ومعالجة أسباب الهجرة القسرية.
واختُتم اللقاء بنقاش مفتوح أكد فيه المشاركون أهمية استمرار مثل هذه الفعاليات لتعزيز الفهم الموضوعي لما يجري في السودان، ودعم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وتحقيق سلام عادل ومستدام يقوده السودانيون أنفسهم.
وتجدر الإشارة إلى أن جمعية الأمم المتحدة في المملكة المتحدة (UNA-UK) تُعد من أعرق منظمات المجتمع المدني المعنية بنشر مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتضم في عضويتها أكاديميين ودبلوماسيين سابقين وباحثين وصناع رأي، وتضطلع بدور فاعل في تعزيز الوعي بقضايا السلم والأمن وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
ويأتي هذا اللقاء ضمن جهود سفارة السودان في لندن لتوضيح حقيقة الأوضاع في البلاد، وشرح أبعاد الحرب، والتعريف بمبادرة السلام الحكومية، وتعزيز التواصل مع مراكز الفكر والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني البريطانية والدولية.