الرويبضة لا يملك حلاً يصحح إخفاقات الكيزان:

✍🏻معتصم الأقرع

يشن اليمين الأمريكي هذه الأيام حملة شعواء ضد المؤثر الشبابي حسن بايكر. أثار هذا الاهتمام بشاب أمريكي من أصول تركية الدهشة. فسر الصحفي القدير غلين غرينوولد التركيز اليميني الغريب على شاب صغير السن بأن الانتخابات الأمريكية على الأبواب ولا يملك الحزب الجمهوري، في نسخته الترمبية، أي إنجازات أو بضاعة إيجابية يحشد بها الجماهير التي يحتاج لصوتها في الانتخابات. لذلك لجأ الجمهوريون إلى حملة سلبية شعواء ضد شاب يمكن تخويف الجماهير منه نسبة لأصوله التركية واسمه الغريب على أمريكا البيضاء – وارتباطه بالاسلام. هذا رغم أن حسن بايكر يقول إنه ماركسي، مع أن غلين غرينوولد يعتقد أن هذه مبالغة منه وأنه مجرد ديمقراطي، على أكثر تقدير، في الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي.

وأضاف غرينوولد أنه من المعروف أن أول قانون في أبجديات السياسة هو إنك إن لم يكن لك أي مشروعية مستمدة من إنجاز أو ميزة إيجابية، فلن يبقى لك سوى قضاء كل زمنك في تشويه وشتم خصم قابل للشيطنة.

لم يفاجئني قول السيد غرينوولد، فهذا ما ظلت هذه الصفحة تردده، أن خواء خطاب جزء من القوى المدنية من أي فكر سوى هجاء الكيزان يعكس إفلاسها الفكري الكامل، حتى لم يبق لها شيء سوى التجارة بسوءات الكيزان الحقيقية والمفتعلة والمبالغ فيها، مع إعفاء كل الجهات الأخرى التي ساهمت في إنتاج الأزمة السودانية.

من الطبيعي جدا هجاء الكيزان بألسنة حداد، فهم أهم حركة سياسية في سودان ما بعد الاستقلال، وقد حكموا السودان ثلاثة عقودا عجافا وفرت ما يكفي لنقدهم بألف كتاب وواحدة أخري وكنت على عجل. لذلك لا تتمثل المشكلة في نقد الكيزان، فقد فعلنا ذلك في عز مجدهم وسلطانهم ثلاثين عاما لا تنقص يوما. وحينها أحتفل الصموديون بما كتبنا ووزعوه ومنحونا صك وطنية مبرأة من شبهة الكوزنة والماركسية والتقعر والغفلة النافعة والتبرقع.

المشكلة الحقيقية هي أن يتحول هجاء الكيزان إلى كل الفكر والرؤى التي تتبناها جماعات تسعى لحكم السودان. إذ أن حل مشاكل السودان يحتاج لمعارف واسعة وحس وطني لا يساوم ولو منحوه الكبسة، بينما اللوثة بالكيزان تضع في مكان القرار والتأثير العام شخصيات لا تفهم شيئا عن تعقيدات العالم المعاصر والإقليم والمشهد الداخلي سوى أن الكيزان أ شرار.

في خطاب شخرة الموت الفكري، فإن سفيرة روسيا إلى الأمم المتحدة في نيويورك كوزة، وعلي الحاج، والمحبوب عبد السلام ليسوا بكيزان. الكوزنة ليست صفة تحكمها شروط موضوعية، فإذا توفرت كان الرجل كوزاً، وإن غابت فهو شيء آخر. الكوز هو كل من يخالفني، وعندها تتحول الكلمة إلى سلاح عنف معنوي لترويض الخصوم وإخراسهم بالباطل. ومن يكذب في هوية خصومه لا يؤتمن على وطن ولا على رأي عام، لأن الكاذب دائماً يكذب لإخفاء أجندة لا تقبلها الجماهير.

وقد اتضح بلا شك بعد سقوط نظام البشير أن هجاء الكيزان كان يصلح للتعبئة ضد نظام البشير، ولكنه حين تحول إلى برنامج حكم في الفترة الانتقالية قاد السودان إلى أسوأ كارثة في تاريخه. واتضح الرويبضة لا يملك حلا يصحح اخفاقات الكيزان.

جاء في الحديث الشريف قول النبي ﷺ: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».

الرويبضة لا يملك حلاً يصحح إخفاقات الكيزان، بل يزيدها تعقيداً، لأن خطابه يقوم على الهدم والتشويه دون تقديم بديل عملي، ويعتمد على شيطنة الخصوم بدلاً من بناء برنامج وطني قادر على معالجة الأزمات المتراكمة. فالرويبضة، كما وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام، هم الذين يتكلمون في أمور العامة بغير علم، ويقودون الناس بجهل، فلا هم يملكون رؤية استراتيجية، ولا هم يدركون تعقيدات المشهد الداخلي والإقليمي والدولي، وكل ما يمتلكونه هو أدوات التخويف والتعبئة السلبية التي تؤدي إلى مزيد من الفوضى والانهيار.

وفي جمهورية السودان، فان أسوأ إنجازات الكيزان هو ميلاد الرويبضة قسرا من جعبتهم. ولكن ليس من قدر السودان الأختيار بين الرويبضة الكمبرادور والكيزان، السودان مليء بأذكياء، شرفاء لا هم كيزان ولا رويبضة، فقط ينقصهم العزم والتنظيم والإنفكاك من دعاية الأعداء والابتزاز الداخلي والخارجي.

ولكن حتى نواكب العصر لا بد أن نقول أن الرويبضة ليس فقط الرجل التافه يتكلم في الشأن العام فلا بد من إضافة المراة التافهة حتى لا نتهم بالإغفال الجندري.

Exit mobile version