الذهب: من المسؤول عن تبديد موارد البلاد الاقتصادية وتهديد أمنها القومي؟
Mazin
خالد التيجاني النور
1
تحدثنا في هذه الزاوية العدد السابق عن غياب تعريف جامع لمصالح الدولة السودانية الاستراتيجية يؤسس لنظرية شاملة للأمن القومي للبلاد مؤداها تحقيق مصالح الشعب السوداني، وليس خدمة نخبة الطبقة المتصارعة على السلطة بلا استحقاق بتفويض شعبي، وذكرنا أن التهديد الوجودي للدولة السودانية لا يأتي من الخارج هكذا اعتباطاً، او بالأحرى لا ينجح في تحقيق أهدافه إلا عندما يجد تربة صالحة تمكنه من اختراق الدولة والمجتمع لتحقيق مصالحه، وهذا يعني أن العوامل الداخلية الغافلة عن استحقاقات الحفاظ على الدولة ومصالح شعبها العليا هي الأكثر خطورة في تهديد مصالح البلاد العليا، وتعريض أمنها القومي للخطر.
2
وحتى لا يبدو الأمر وكأنه مجرد تنظير محض مفارق للواقع، دعونا نستعرض في هذا المقال مثال محدّد لواحد من أهم مصادر قوة الدولة وقدرتها على تحقيق مصالح الشعب العليا، والتي تتعلق بمصالح الاقتصاد الوطني للسودان وشعبه، ولا أحد لا يعرف بالطبع مكامن قوة الاقتصاد السوداني من حيث الموارد الطبيعية المتنوعة الكامنة، ولا نتناول في هذه المرة مسالة العجز المستدام عن تفجير هذه الطاقات الهائلة، والتحجج بأعذار واهية عن فشل الحكومات المتعاقبة في بناء قاعدة فاعلة للتنمية المستدامة، وهذا ما نفتح ملفاته في مقالات قادمة إن شاء الله.
3
ما نثيره في هذه السانحة أكثر خطراً من مجرد العجز عن تفجير طاقات الاقتصاد السوداني، بل التهديد الماثل للأمن القومي للاقتصاد للسوداني نتيجة تبديد موارد الدولة في قطاع المعادن، لا سيما الذهب الذي بات إهدار عائداته المستحقة لغزاً تحت سمع وبصر السلطات الحكومية التي تجرى عائداته المليارية المهدرة تحت أقدامها، وهي تشكو المسغبة، والشعب يقتله الظمأ لاقتصاد معافاً، وفرصاً لا تهدر، فإين المشكلة؟ ومن المسؤول عن تبديد موارد البلاد الاقتصادية وتهديد أمنها القومي؟ في وقت تفتقر فيه البلاد إلى رؤية لنموذج تنموي معلوم، ولا يعرف لها استراتيجية معلومة لتعريف مصالح السودان الاقتصادية ومطلوبات تحقيقها، ولا خطط ولا برامج تنفيذية ناجعة مشهودة، ولا يزال الاقتصاد كغيره يدار بطوارئ مطاردات الأزمات وإطفاء حرائقها، وليس باقتناص فرص بحجم موارد البلاد المهولة وتوظيفها كما ينبغي، وهو داء قديم راسخ في عقل وفعل أجهزة الدولة سابق لواقع الحرب حتى لا تستدعى كحجة للهروب من فحص أسباب هذا القصور المستدام.
4
يُحمد لبنك السودان المركزي أنه يكاد أن يكون المؤسسة الحكومية الوحيدة التي تمارس الشفافية بتوفير معلومات موثوقة عن الاقتصاد السوداني بصورة راتبة منتظمة ظل يلتزم بنشرها في كل الظروف والأحوال، وهي خدمة كبيرة ذات قيمة لا غنى عنها للمعرفة يحتاجها قطاع الأعمال والخبراء والمؤسسات الأكاديمية والمهتمين في تقييم حالة الاقتصاد، واتخاذ القرارات الصحيحة في خططها وممارساتها التي تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، كما أن هذه الخدمة التي يقدمها البنك المركزي تنطوي على احترام كبير وتقدير للرأي العام الذي يستحق بالقانون والأعراف المرعية في إدارة الشأن العام أن يعرف مجريات الأمور في بلده، لا أن يستجدي المعلومات من المسؤولين الذين يضنّون على المواطنين بحقهم في المعرفة بتلك البيانات الحكومية الروتينية الفارغة المضمون التي لا تقدم معلومات ذات بال.
5
يأتي التنويه بسيرة البنك المركزي عطفاً على ما نحن بصدده، فقد أصدر هذا الأسبوع تقرير التجارة الخارجية للسودان للعام 2025، الذي نتناوله بالتفصيل في هذا العدد من إيلاف، ومن بين المعلومات اللافتة في هذا التقرير أن كمية الذهب التي تم تصديرها خلال العام الماضي بلغت 14,7 طناً بعائد حقق 1,5 مليار دولاراً، ومقارنة بالعام الذي سبقه 2024 فقد تم تصدير 22 طناً من الذهب بعائد بلغ نحو 1.5 مليار دولاراً أيضاً، ويُعزى الفارق في الكمية مع بقاء القيمة ثابتة بالطيع إلى الارتفاع المتزايد في سعر الذهب عالمياً الذي شهده العام الماضي.
6
ما يثير الانتباه في هذه الإحصائيات أن كمية الذهب الذي تمّ تصديره في العامين المذكورين تمثل نسبة ضئيلة من كمية الإنتاج المعلنة بصفة رسمية من الشركة السودانية للثروة المعدنية التابعة لوزارة المعادن، ففي العام 2024 أعلنت أن كمية الذهب المنتج بلغ 64 طناً في حين تم تصدير 22 طناً منها بقيمة 1.5 مليار دولار، أي أن هناك 42 طناً بنسبة 66% من الإنتاج بقيمة 2,9 مليار دولار مفقودة، حسب السعر السائد آنذاك، في حسابات الصادر السوداني.
7
أما في العام 2025 فقد أعلنت الشركة أن كمية الذهب المنتج بلغت 70 طناً، في حين أن تم ما تم تصديره حسب القنوات الرسمية 14,7 طناً فقط بقيمة 1.5 مليار دولار حسب السعر العالمي السائد، وهي تعادل نسبة 21% فقط من كمية الذهب المنتج، وهو ما يعني أن هناك نحو 55 طناً من إنتاج الذهب في العام الماضي تعادل قيمتها 6 مليارات دولار حسب الأسعار السائدة عالمياً مفقودة في حسابات الصادر السوداني للعام 2025، كانت كفيلة بسد عجز الميزان التجاري، وتحقيق فائض بملياري دولار على الأقل، هذا مع الوضع في الاعتبار مدى دقة الأرقام المذكورة في التقرير بالنظر إلى أن التقديرات الحقيقية لكمية الذهب المنتج في السودان أكبر من الأرقام المعلنة ربما تصل إلى الضعف، إما لعدم القدرة على الإحاطة بحجم الإنتاج بالنظر إلى أن أكثر من 80% من الإنتاج يأتي من التنقيب الأهلي التقليدي، أو لحاجة في نفس الجهات المسؤولة عن عدم الإفصاح.
8
هذا النزيف الحاد في مورد الذهب وحرمان الدولة السودانية والمجتمع من فوائد عائداته، بدخوله في دورة الاقتصاد الكلي بصورة منظمة ومنضبطة حتى تتم إدارته على وجه معلوم ضمن استراتيجية شاملة لإصلاح الاقتصاد المتعثر بلا سبب مقبول في بلد تذخر بموارد متنوعة لا حصر لها، لا يمكن تبريره على الإطلاق بأي منطق سليم لإدارة موارد الدولة بكفاءة واقتدار، بأعذار تتخذ من طوارئ الأحداث مهما عظمت سبباً في عدم التقيد بأصول وقواعد ما تعارفت عليها المعايير الصحيحة في الممارسة الرشيدة لتحقيق الكفاءة والنزاهة والشفافية في الولاية على المال العام بحقها، وضمان تحقيق أقصى غايات الإصلاح الاقتصادي، وتوظيف موارد الدولة وإطلاق طاقاتها الكامنة لتعود بأعظم الفوائد لصالح الدولة والمجتمع، ومن المخزي أن ينظر المرء في تقارير التجارة الخارجية للسودان ليصدم بهذا الأداء المتواضع لقطاع الصادرات الذي تحققه شركات متوسطة في البيئة المحيطة، دعك أن يكون لبلد يمتلك كل هذه الموارد المهدرة.
9
في الواقع إن نزيف الموارد في السودان، لا سيما ريع الذهب ليس وليد اليوم ولا الأمس، بل ظل ديدناً منذ أن دخل المعدن النفيس دائرة الإنتاج قبل نحو عقدين، حيث تعاملت معه السلطات حينها بلا عقل اقتصادي، واعتبرته متنفساً للاحتقان الاجتماعي عقب خروج النفط من المعادلة وتعثر الأداء الاقتصادي للسلطة، ولكن ما أن أينع قطافه، وبدلاً من أن تنظمه لتدمجه في الدورة الاقتصادية سارعت، للمفارقة حتى الأجهزة المنوط بها تنظيم القطاع، لاغتنام حالة العشوائية التي سادته لتخوض مع الخائضين للحصول على عائدات مجزية لها خارج قيود أطر الدولة المحاسبية، وهكذا تكأكأت على موارد الذهب مؤسسات الدولة ذات الشوكة من كل حدب وصوب، ومهما كان الهدف نبيلاً أو النية حسنة، أو الحاجة ملّحة فإن ضرر هذا التغوّل على مورد الذهب كان ولا يزال وبيلاً على الاقتصاد، وما فعلة “الدعم السريع” بالبلاد والعباد إلا من نتاج تلك الغفلة عن غياب منظور استراتيجي شامل للأمن الاقتصادي للدولة التي أوتيت من قبله، فقد تضخّم اقتصادياً قبل أن يستقوي عسكرياً، ومع ذلك لم ننس شيئاً، ولم نتعلم شيئاً، فالممارسة ذاتها لا تزال حاضرة وشاخصة بلا عبرة ولا عظة.
10
والأمر جلي، فتبديد موارد الذهب الضخمة لا تأتي نتيجة التهريب كما يروج له، ومهما بلغ فالسياسات الرشيدة كفيلة بمكافحته فلا أحد يمارس التهريب كهواية بل بحثاً عن فوائد مجزية وهو ما يمكن أن توفره سياسات ذكية محفّزة دون حاجة لعناء أو مخاطر، ولكن هذه السياسات المطلوبة لا تتخذ، ودونكم التخبط في السياسات الحكومية المتضاربة وغير المنتجة بهذا الشأن، والخشية أن يكون ذلك للتغطية على تغوّل بعض مراكز النفوذ في الدولة التي انخرطت في تصدير الذهب من وراء حجاب فيما يُعرف بسياسة التجنيب التي تّعد أكثر خطراً على مقتضيات الأمن الاقتصادي من التهريب الصريح، لان في ذلك تكريس غير رشيد وغير صالح للإفلات من ولاية الدولة على المال العام وفق النظم المرعية الخاضعة للمحاسبة والمساءلة، وتبديد لقدرات الدولة، ولا حجة للتفلّت من هذه النظم تحت أي ذرائع أو دعاوى، فمن حق هذه المؤسسات الحصول على ما يؤهلها للقيام بدورها على أكمل وجه وفق تقديرات الطوارئ بقدرها، ومن واجب ولاية المال العام الحصرية للدولة أن توفر لها حاجتها وفق ميزانيات محسوبة، لا أن تفرض بشوكتها دولة داخل الدولة، ومآل ذلك ما يكابد السودانيون حصاده المر اليوم.