الذهب ضمان الوقود … هل تبحث الدولة عن الضمان أم عن الذهب؟

مهند عوض محمود

نادراً ما تكشف القرارات الاقتصادية عن أهدافها الحقيقية بصورة مباشرة، فكثيراً ما تبدو متفرقة بينما تكون في حقيقتها أجزاءً من سياسة أكبر تتشكل بهدوء خلف الكواليس. وهذا ما حدث خلال الأيام الماضية عندما عدّل بنك السودان المركزي سياسات شراء وتصدير الذهب وفتح الباب أمام استخدام حصائل الصادر بصورة أكثر مرونة، ثم اتخذ خطوة غير مسبوقة باشتراط إيداع 200 كيلوغرام من الذهب كضمان للراغبين في استيراد المشتقات البترولية، بالتزامن مع إعلان الحكومة عبر الفريق إبراهيم جابر توسيع دور الدولة في إدارة سوق الوقود والسلع الاستراتيجية والدخول بصورة مباشرة في ملف الإمدادات.

وللوهلة الأولى يبدو الأمر وكأنه قراران منفصلان، لكن القراءة المتأنية تقود إلى نتيجة مختلفة، فنحن لا نشهد فقط سياسة جديدة للذهب أو سياسة جديدة للوقود، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الذهب والطاقة والنقد الأجنبي داخل الاقتصاد السوداني.

لسنوات طويلة ظل الذهب يؤدي ثلاث وظائف رئيسية: سلعة تعدين، وسلعة تصديرية، ومصدراً للنقد الأجنبي. أما اليوم فتبدو الدولة وكأنها تريد إضافة وظائف جديدة له، فالذهب لم يعد مجرد معدن يُستخرج ويُصدر، بل أصبح أداة ضمان وأداة تمويل وأصلاً استراتيجياً تسعى الدولة إلى توظيفه في إدارة الملفات الاقتصادية الأكثر حساسية. ومن هنا يبرز السؤال الذي لم تتم الإجابة عليه حتى الآن: لماذا 200 كيلوغرام من الذهب تحديداً؟ وما هو الضمان الذي تبحث عنه الدولة؟ فإذا كان المستورد سيمول عملية استيراد الوقود من موارده الخاصة، فلماذا يحتاج البنك المركزي إلى رهن أصل تتجاوز قيمته عشرين مليون دولار؟ وإذا كان الهدف هو مجرد إثبات الملاءة المالية، فلماذا الذهب تحديداً وليس أي شكل آخر من الضمانات؟

هناك عدة تفسيرات ممكنة؛ أولها أن الدولة تريد التأكد من الجدية والقدرة المالية للمستوردين وإبعاد المضاربين عن قطاع بالغ الحساسية، وثانيها ضمان تنفيذ عمليات الاستيراد وعدم استغلال التصديقات والتسهيلات لأغراض أخرى، وثالثها حماية نفسها من أي التزامات مستقبلية قد تترتب على تعثر المستوردين. غير أن هذه التفسيرات، رغم وجاهتها، لا تبدو كافية وحدها لتبرير اشتراط أصل تتجاوز قيمته عشرين مليون دولار. وهنا نصل إلى الاحتمال الأكثر إثارة للاهتمام، وهو أن الدولة ربما لا تبحث عن الضمان وحده، بل عن الذهب نفسه. فالذهب اليوم هو أكبر أصل سيادي متاح داخل الاقتصاد السوداني، وربما أكثر الموارد قدرة على تعويض جزء من النقص الحاد في النقد الأجنبي. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى القرار باعتباره محاولة لسحب كميات أكبر من الذهب إلى داخل المنظومة الرسمية، بحيث يصبح الوصول إلى واحد من أكثر الأنشطة ربحية في الاقتصاد، وهو استيراد الوقود، مشروطاً بإدخال الذهب إلى النظام الرسمي. كما أن الذهب، في ظل الحرب وتعقيدات التحويلات الخارجية وضعف العلاقات المصرفية الدولية، ربما أصبح بالنسبة لصانع القرار أكثر موثوقية من كثير من الضمانات المصرفية التقليدية، لأنه أصل حقيقي موجود داخل البلاد ويمكن السيطرة عليه.

لكن هذه السياسة تواجه معضلة جوهرية. فالقرار نفسه سيخلق طلباً إضافياً على الذهب، لأن الدولة تشتري الذهب، والمصدرين يشترون الذهب، والمواطنين يحتفظون به كمخزن للقيمة، والآن أصبحت شركات الوقود مطالبة بالحصول عليه أيضاً. أي أن الطلب على الذهب يتجه إلى الارتفاع بصورة كبيرة. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في جانب العرض. فإذا كانت الجهات الرسمية تشتري الذهب بحوالي 527 ألف جنيه للجرام بينما تعادل قيمته وفق الأسعار العالمية وسعر الصرف المحلي نحو 570 ألف جنيه للجرام، فإن الفجوة تبلغ نحو 43 ألف جنيه في الجرام الواحد، أي 43 مليون جنيه في الكيلو وأكثر من 8.6 مليار جنيه في 200 كيلوغرام فقط. وهنا لا تصبح القضية قضية لوائح أو رقابة، بل قضية حوافز اقتصادية خالصة. فالمُعدّن أو التاجر لا ينظر إلى التعليمات وإنما إلى السعر، والذهب مثل الدولار لا يتحرك بالقرارات الإدارية وإنما يتحرك نحو السعر الأعلى. ولهذا فإن نجاح السياسة الجديدة لن يتوقف على وجود الضمانات بقدر ما سيتوقف على قدرة الدولة على جعل القنوات الرسمية أكثر جاذبية من القنوات غير الرسمية، وإلا فإن النتيجة قد تكون عكسية حيث ترتفع المضاربات ويتزايد التهريب ويصبح الحصول على الذهب أكثر صعوبة.

ولا يقتصر أثر القرار على سوق الذهب وحده، فاشتراط أصل تتجاوز قيمته عشرين مليون دولار يرفع حاجز الدخول إلى نشاط استيراد الوقود بصورة غير مسبوقة، ما يعني عملياً أن عدداً كبيراً من الشركات الصغيرة والمتوسطة سيجد نفسه خارج السوق. وبالتالي فإن القرار لا يعيد تشكيل سوق الذهب فقط، بل يعيد تشكيل سوق الوقود نفسه ويدفع نحو تركّز النشاط في عدد أقل من الشركات الكبرى القادرة على توفير هذه الضمانات. وفي الوقت نفسه يبدو قرار الدولة بالدخول المباشر إلى سوق الوقود الوجه الآخر للسياسة نفسها، فالحكومة تدرك أن الوقود لم يعد مجرد سلعة تجارية بل أصبح عصب الزراعة والنقل والتعدين والكهرباء والخدمات والعمليات العسكرية، كما تدرك أن فاتورته تستهلك جزءاً ضخماً من موارد البلاد من النقد الأجنبي. ومن هنا يبدو أن الدولة تحاول بناء معادلة جديدة تقوم على ربط الذهب بالوقود وربط إدارة النقد الأجنبي بالأصول الحقيقية الموجودة داخل البلاد بدلاً من الاعتماد الكامل على الدولار.

لكن السؤال الأكبر يبقى قائماً: إذا نجحت الدولة في جمع آلاف الكيلوغرامات من الذهب، فما هي الخطوة التالية؟ هل سيتحول هذا الذهب إلى احتياطي استراتيجي؟ وهل سيستخدم للحصول على خطوط تمويل وتسهيلات تجارية من الخارج؟ وهل سيصبح غطاءً لاستيراد الوقود والكهرباء والسلع الاستراتيجية؟ أم أنه سيظل مجرد أصل محتجز داخل المنظومة الرسمية؟ فالقيمة الحقيقية للذهب لا تكمن في امتلاكه بل في كيفية توظيفه.

وفي تقديري أن الذهب يمكن أن يكون جسراً لعبور الأزمة الحالية وأن يمنح الدولة مساحة أوسع للمناورة في ظل شح النقد الأجنبي، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً دائماً عن الإنتاج والصادرات والاستثمار. ففي نهاية المطاف لا تُبنى الاقتصادات على الذهب وحده، ولا تُحمى العملات الوطنية بالضمانات وحدها، وإنما تُبنى عندما تتحول الموارد الطبيعية إلى إنتاج وصادرات وتدفقات مستدامة من النقد الأجنبي.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم كيلوغراماً من الذهب ستجمع الدولة، ولا كم شركة ستستورد الوقود، بل هل تمثل هذه القرارات بداية استراتيجية اقتصادية متكاملة تربط الذهب بالطاقة والإنتاج والصادرات، أم أنها مجرد محاولة ذكية لإدارة ضائقة نقدية فرضتها ظروف الحرب؟ فالأسواق لا تجامل الحكومات، ولا تنحاز للقرارات، ولا تقرأ البيانات الصحفية. السوق ينحاز فقط للحوافز الاقتصادية. فإذا كان بيع الذهب داخل السودان أكثر ربحية من تهريبه فسيدخل الذهب إلى المنظومة الرسمية، أما إذا بقيت المعادلة معكوسة فإن الذهب سيواصل الهجرة بصمت عبر الحدود مهما تعددت اللوائح والقرارات.

Exit mobile version