الذكاء الاصطناعي وحشد رأس المال الخاص لتعافي الاقتصادات النامية

م.م. محمد الشاطر الأمين الحسن

تشير تقارير صندوق النقد الدولي لآفاق أكتوبر 2026 ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى مفارقة كبرى: نمو عالمي مستقر 3.1% لكنه فاقد للجودة، حيث 70% من الاقتصادات النامية لم تستعد دخل الفرد قبل 2020، وفجوة تمويل التنمية 4.2 تريليون دولار سنويا، وخدمة الدين في أفريقيا جنوب الصحراء ارتفعت 60%. ويقتضي المخرج تأصيلا نظريا بثلاث مدارس. أولاها نظرية النمو الداخلي لبول رومر 1990 التي ترى المعرفة محركا داخليا، فالذكاء الاصطناعي تقنية ذات أغراض عامة كالبخار والكهرباء. وثانيتها نظرية القفز التنموي التي تؤكد قدرة الاقتصادات النامية على تجاوز المراحل كما قفزت أفريقيا للمحمول. وثالثتها نظرية التمويل المختلط لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومفادها أن الدولار العام الميسر يحشد أربعة إلى خمسة دولارات من رأس المال الخاص.

ويتجلّى الأثر التطبيقي في ثلاثة ميادين. ففي الزراعة التي تشكل 25% من الناتج المحلي الإجمالي و60% من العمالة، توظف منصات مثل إي سوكو صور الأقمار الصناعية والتنبؤ بالآفات، فرفعت الإنتاجية في كينيا ورواندا 25% وقلصت الهدر 30%. وفي الشمول المالي حيث 1.4 مليار خارج النظام المصرفي، أحدثت خوارزميات التقييم البديل للجدارة الائتمانية تحولا، فمكنت إم بيسا وفوري من إدماج 400 مليون شخص بلا ضمانات. وفي رأس المال البشري أتاحت منصات مثل كيور دوت أي تشخيصا طبيا بتكلفة أقل 70%، وتوفر منصات التعليم التكيفي تعليما شخصيا. غير أن المسار يصطدم بثلاث فجوات: بنية تحتية حيث 800 مليون أفريقي بلا كهرباء، وبيانات حيث تغيب قواعد البيانات الوطنية المحوكمة، ومهارات حيث 70% من وظائف 2030 تتطلب مهارات رقمية حسب المنتدى الاقتصادي العالمي.

ولا يخلو التحول من مخاطر وجب التنبيه إليها. فالذكاء الاصطناعي قد يعمق تركيز الثروة الرقمية، وقد يكرس التحيز الخوارزمي ضد الفئات الهشة إذا بنيت النماذج على بيانات غير تمثيلية، كما يثير إشكالية سيادة البيانات. وفي السياق السوداني يبرز هذا بوضوح، فالسودان يمتلك قاعدة زراعية واسعة لكنه يفتقر إلى سجل زراعي رقمي، وتظل نسبة الشمول المالي منخفضة تاريخيا. وبحسب بيانات بنك السودان المركزي وتحالف الشمول المالي لعام 2025، أطلق البنك مبادرة بقيمة 20 مليار جنيه سوداني تستهدف إدماج 3 ملايين مستفيد جديد وخلق 129 ألف وظيفة مع التركيز على المرأة الريفية، عبر عقود مضاربة مقيدة مع شركات التمويل الأصغر، مما يجعل توظيف الذكاء الاصطناعي لتوقع الفيضانات وتسعير المحاصيل وتقييم الجدارة عبر تطبيق بنكك ضرورة وطنية لا ترفا تقنيا.

أما تحديات النمو الشامل فتكشف أزمة نموذج النمو. فهارفارد تعرف النمو الشامل بأنه المستدام الموزع على أوسع قاعدة، وتقارير 2026 تؤكد التأخر في 85% من المؤشرات. فالنمو الراهن كثيف الموارد قليل الوظائف هش مناخيا وخسائره 1.5% من الناتج سنويا. لذا وجب إعادة تعريفه: نمو يخفض الكربون عبر الشبكات الذكية، ونمو يقلص التفاوت عبر منصات العمل الحر التي تدر 1.2 تريليون دولار في الجنوب العالمي، ونمو يبني المرونة عبر نظم الإنذار المبكر التي تقلص خسائر الفيضانات 30%.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي محركا فإن رأس المال الخاص وقوده، وحشده يقتضي ثلاثة إصلاحات. إصلاح مؤسسي عبر قضاء تجاري متخصص وسجل عقاري رقمي وقانون إفلاس واضح، فتحسين 20 مرتبة في سهولة الأعمال يزيد الاستثمار الأجنبي المباشر 15%. وإصلاح أداتي عبر السندات الخضراء التي بلغت تريليوني دولار 2025 والسندات الاجتماعية وسندات الأثر وصناديق ضمان مخاطر العملات، وقد نجحت مصر في حشد 1.5 مليار دولار لمشروع بنبان عبرها ورواندا عبر ضمانات مؤسسة التمويل الدولية. وإصلاح تكنولوجي عبر سلسلة الكتل لتوثيق العقود والذكاء الاصطناعي لتقييم مخاطر المشاريع.

وخلاصة الأمر أن التعافي لن يتحقق بمعزل عن التقنية، ولا تستدام التنمية بمعزل عن العدالة، ولا يمول الطموح بمعزل عن رأس المال الخاص. والمعادلة هي: تكنولوجيا محوكمة + دولة منظمة ذكية + سوق ممول وفق الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. ونوصي بثلاثة إجراءات: إنشاء وكالة وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي تشرف على السجلات وتضع قانون حماية البيانات، وإطلاق صندوق وطني للتمويل المختلط يصدر سندات خضراء واجتماعية بضمانات دولية لحشد رأس المال للمشاريع الزراعية والصحية، وإدماج مهارات الذكاء الاصطناعي والعمل الحر في مناهج التعليم المهني. فمن يربط الذكاء الاصطناعي بحاجة الفلاح وتقارير الاقتصاد بخطة وطنية ورأس المال العالمي بمشروع محلي يحول أزمة التنمية إلى فرصة لنمو شامل لا يترك أحدا خلف الركب.

↑
Exit mobile version