الدولار بين فشل الاجراءات وتراجع المؤشرات

بروفسور أحمد مجذوب أحمد علي

لم تكن هذه هى المرة الأولى التى يتصاعد فيها سعر صرف الدولار، كما أنها لم تكن المرة الأولى التى تتخذ فيها الحكومة حزمة قرارات واجراءات تستهدف السيطرة على سعر الصرف، حيث ظل الدولار فى كل الجولات يصرع اجراءات الحكومة بالضربة القاضية، ويعود إلى الحلبة محققا فوزا جديدا,

فقد ظل سعر صرف الجنيه السودانى مقابل العملات الأخرى (الدولار) متدهورا ومتراجعا بمعدلات كبيرة خلال السنوات الست الأخيرة .

ومعلوم أن سعر الصرف يعبر عن العلاقة بين واردات الدولة و صادراتها . فهى علاقة طردية كلما زاد الاستيراد ونقص التصدير زاد العجز فى الميزان الخارجى (فى ظل جمود بنود الميزان الخارجى الأخرى) ، وزيادة العجز فى ظل ثبات الواردات أو زيادتها وانخفاض الصادرات يؤدى إلى تراجع سعر الصرف.

كما أن سعر صرف العملة له علاقة أيضا بحجم عجز الموازنة السنوية وتمويل هذا العجز بموارد غير حقيقية، مثل الاستدانة الزائدة من البنك المركزي، التى تعبر عن طباعة أوراق نقدية لا تقابلها زيادة فى الإنتاج الحقيقى.

ولهذا فإن أى معالجات لا تعمل مباشرة على زيادة الصادرات أو تقليل الواردات أو تخفيض عجز الموازنة السنوى ، لا تؤدى إلى تحقيق أهداف الحكومة فى ايقاف تدهور قيمة العملة أو استقرار سعر صرفها.

ولهذا تعتبر كل الاجراءات الإدارية والأمنية هى مسكنات سرعان ما يعود الوضع إلى ما كان عليه، إن لم يكن إلى المزيد من التدهور فى قيمة الجنيه.

ويمثل الفشل فى معالجة هذه المشكلة، صورة من عجز القادرين على التمام، لإن هذا التحدى يتعلق بقيمة متواضعة فى عالم أرقام الاقتصاد عند مقارنة الواردات بحجم الاقتصاد و الاقتصادات المشابهة. حيث تشير الإحصاءات أن قيمة الواردات تراجعت فى السنوات الأخيرة، مع تراجع قيمة الصادرات عما كانت عليه سابقا، ففى حين كانت قيمة الواردات تتراوح بين 9 إلى 11 مليار دولار فى الفترة حتى عام 2018، وكان سعر الصرف فى حالة استقرار نسبى لم يتجاوز 38 جنيه/ للدولار ، نجد أن الواردات تراجعت إلى حوالى خمسة مليار دولار فى عام 2023 وانخفضت إلى 4.8 مليار دولار فى عام 2024 فى حين تقدر ب 4.5 مليار دولار فى عام 2025 ، وانخفض العجز من 3.2 مليار دولار فى عام 2023 إلى 0.2 مليار دولار فى عام 2024 ويقدر أن يصل العجز فى عام 2025 إلى 1.7 مليار دولار فى عام 2025، وفى ظل هذا الانخفاض ، ينبغى أن يستقر سعر الصرف أو ينخفض، مما يعنى غياب المعلومات الدقيقة، أو توسع الاقتصاد غير الرسمى ( Informal sector ) حيث يشير انخفاض سعر صرف الجنيه وارتفاع الدولار، إلى أن قيمة العجز أكبر من ذلك بكثير.

ففى مجال الإنتاج : يبلغ إنتاج السودان من الذهب حسب إحصاءات الحكومة حوالى 70 طنا سنويا ، وهو يقل عن الإنتاج الفعلى الذى يقدر ب 90 – 100 طن سنويا، ولو اعتمدنا قيمة ما تعلنه الحكومة من إنتاج فهى تقارب مبلغ 9 مليار دولار سنويا، هذا بخلاف قيمة صادرات الثروة الحيوانية والسمسم والصمغ العربى والقطن وغيرها وهى تقدر ب 1.5 إلى 2 مليار دولار، وهذه المنتجات تعانى كلها من التهريب إلى دول الجوار خاصة فى ظل الفوضى الحاصلة بسبب الحرب الحالية.

البيانات أعلاه تعكس ما ينبغى أن تركز عليه الاجراءات والسياسات الحكومية التى تستهدف تحسين سعر الصرف .

وأول الاجراءات المطلوبة : المحافظة على الإنتاج القائم من الذهب كأولوية أولى ، بمتابعته وحصره ومعرفة مواقعه والمنتجين له ، ثم إيقاف تهريبه ، الذى يمثل أكبر ثغرة تستنزف الاقتصاد، ولا سبيل لمواجهة هذه الثغرة، غير إحكام الضوابط الإدارية والتجارية، أولا بشراء المنتج بالأسعار العادلة، عبر نافذة حكومية واحدة، دون التفات إلى ما تثيره مراكز النفوذ المالى من حملات إعلامية لتشويه أهداف هذه الإجراءات ، وثانيا: أن تصحب هذه الإجراءات بحصر وتسجيل دقيق لكل العاملين فى التعدين الأهلى وأصحاب الرخص من شركات وأفراد ، لمعرفة الإنتاج الحقيقى ، وثالثا: تبدأ اجراءات تقنين الأوضاع ومنح التراخيص اللازمة لكل العاملين فى قطاع التعدين خاصة الأهلى، رابعا: تقوية التشريعات المنظمة للتعدين الأهلى، وخامسا: حصر وتنظيم الأسواق، وفتح نوافذ للبنوك ومراكز للشرطة لضبط الأمن بها، ومراجعة قانون الجمارك فيما يلى التهريب،ومن ثم تفعيل التطبيق بتكوين محاكم خاصة، وايقاع أشد العقوبات على المهربين.

هذه الخطوة تصب فى اتجاه معالجة جذور المشكلة(مراكز الإنتاج) لأن إيقاف تدهور سعر الصرف لا يتم إلا بمعالجة جذور المشكلة، وهى زيادة الصادرات وترشيد الواردات، ولما كانت سلع الصادر الأخرى لا تقل أهمية عن الذهب ، مثل : الثروة الحيوانية وبعض المحاصيل الزراعية، وهى أهم مصادر النقد الأجنبي، فتحتاج أيضا إلى حزمة سياسات لتنظيم قطاع إنتاجها وتسويقها الداخلى بتحديد مواقع بورصات التسويق، ومن ثم إيقاف تصدير الخام ، باعطاء أولوية للتصنيع لزيادة القيمة المضافة، وانشاء المسالخ التى بدأت وتسريع تشغيلها وتطبيق نظم الجودة المطلوبة عالميا، وانشاء مصانع منتجات الألبان وفق متطلبات الأسواق الخارجية، لزيادة قيمة الصادر، وانشاء مصانع معالجات الصمغ العربى (تنقية وطحن وتعبئة وتغليف) مع إيقاف تصدير السمسم والفول الخام والقطن والاستفادة من قطاع صناعة الزيوت والحلويات وزبدة الفول والسمسم، مع تشجيع إقامة مصانع منتجات الذرة.

على أن يتم تطبيق ذات سياسات منع تهريب هذه المحاصيل ، وتوقيع أشد العقوبات على المهربين، كما ينبغى أن يتم تطبيق سياسات عادلة فى كل مراحل الإنتاج من تمويل وةظخال التقنية فى العمليات الزراعة و الحصاد، لتحسين الإنتاجية وتعظيم عائد المنتجين، وينطبق عليها ذات اجراءات تنظيم الأسواق .

الخطوة الثانية هى معالجة الواردات، فتبدأ الحكومة بتنظيم استيراد المشتقات النفطية والسلع الغذائية، لتجاوز النمط العشوائي الذى لا يفكر فى المشكلة إلا بعد وقوعها،حيث تتنافس الشركات على النقد الأجنبية المتاح فى الأسواق فيرتفع سعرها، وهذا يستلزم أن توفر الحكومة النقد الأجنبي اللازم لاستيراد هذه السلع، والمبلغ المطلوبة لا يتجاوز 40% من قيمة الذهب المنتج دعك من الصادرات الأخرى، ويمكن حل ذلك بعقود سلم للصادر ، ومما يشجع على ذلك ضٱلة المبالغ( كما ذكرت) وكل قيمة هذه المستوردات لا تتجاوز نسبة 50% من قيمة الذهب المنتج، مما يعنى أن ضبط إنتاج وشراء الذهب هو المدخل الصحيح لحل مشكلة عجز الميزان الخارجى، المسئول عن ارتفاع سعر الدولار و تراجع سعر صرف الجنيه، حيث تشير المعلومات أن سعر الدولار تجاوز 4400 جنيه، ويترتب على ذلك سلسلة من ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وعلى رأسها مشتقات النفط التى تمثل عنصرا أساسيا فى الإنتاج والنقل والتوزيع، مما يعنى سلسلة من ارتفاع الأسعار ومزيدا من التراجع في سعر الصرف.

وأخيرا لابد أن تصبر الحكومة على هذه الاجراءات حتى تؤتى أكلها ، وحتى لا تفشل الاجراءات وتختل المؤشرات.

ولنا عودة.

Exit mobile version