رأي

الدولار بقرة ترامب المقدسة

د. أمين حسن عمر

#شؤون_دولية

تحمل العملة الأمريكية عبارة فريدة: In God We Trust، غير أن واقع السياسة والاقتصاد يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تثق بشيء بقدر ثقتها بالدولار. فمنذ أواخر العام الماضي، بات واضحًا أن حماية مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية أصبحت محورًا رئيسيًا في استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وليست مجرد ملف اقتصادي عابر.

فترامب يستخدم الرسوم الجمركية اليوم كأداة دفاع عن الدولار، لا فقط لحماية الصناعة الأمريكية. وقد لوّح بفرض رسوم تصل إلى 100% على دول، بينها أعضاء في مجموعة «بريكس»، في حال سعت إلى إنشاء عملة بديلة أو دعم نظام نقدي ينافس الدولار. ومن منظور إدارته، فإن فقدان الدولار لهيمنته يعني تقويض قدرة واشنطن على تمويل دينها العام، الذي تجاوز 38 تريليون دولار، وفقدان السيطرة على النظام المالي العالمي.

وترتبط تحركات ترامب في الشرق الأوسط، وتصعيده تجاه فنزويلا، وضغوطه على دول نفطية أخرى، ارتباطًا وثيقًا بنظام «البترودولار»، أي تسعير النفط بالدولار. فواشنطن تسعى لضمان استمرار تدفقات الطاقة تحت مظلتها المالية، وإعادة تدوير عائدات النفط داخل الأسواق والسندات الأمريكية، بما يدعم قيمة الدولار ونفوذه السياسي.

أما الحرب التجارية مع الصين، فهي في جوهرها صراع عملات أكثر منها صراع سلع. فالولايات المتحدة تخشى من تمدد اليوان الرقمي وأنظمة الدفع البديلة التي قد تهدد احتكار الدولار ونظام «سويفت»، وهو ما من شأنه إضعاف سلاح العقوبات الاقتصادية الذي تعتمد عليه واشنطن بدلًا من الحروب التقليدية.

لكن المفارقة في رؤية ترامب أنه لا يسعى إلى دولار قوي سعرًا، بل إلى دولار مهيمن سياسيًا. فالدولار الأضعف يعزز تنافسية الصادرات الأمريكية ويدعم الصناعة المحلية، في حين تبقى الهيمنة النقدية شرطًا أساسيًا لاستمرار النفوذ الأمريكي عالميًا.

لهذا تتركز معارك ترامب على السيادة النقدية أكثر من سعر الصرف. فهو يرى في الدولار البنية التحتية للإمبراطورية الأمريكية، وأي محاولة لـ«إلغاء الدولرة» تُعد تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، يستوجب ردًا اقتصاديًا أو سياسيًا، وربما
عسكريا كما هو المشهد في فنزويلا هذه الأيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى