أخبار رئيسيةالأخبار

الدلنج.. قصة صمود فكَّت قيد “حائط الصد” نحو كردفان ودارفور

في قلب السودان، وتحديداً في ولاية جنوب كردفان، تربض مدينة “الدلنج”؛ ثاني أكبر حواضر الولاية ومركزها التجاري الحيوي. لم تكن الدلنج مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت طوال 18 شهراً مسرحاً لواحدة من أعقد فصول الحرب السودانية، وصمام أمان تكسرت عنده طموحات التوسع نحو العمق الغربي.

1. خناق الحصار: مدينة بين

مطرقة التمرد وسندان التحالفات

بدأت مأساة الدلنج في 26 يونيو 2023، حينما أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها على المداخل الشمالية للمدينة، قاطعةً الطريق القومي الذي يربطها بالعاصمة والولايات الأخرى. تعقد المشهد أكثر بدخول “الحركة الشعبية-شمال” (جناح الحلو) على خط المواجهة، حيث تحالفت ميدانياً مع الدعم السريع، ليصبح حصار المدينة طوقاً مزدوجاً من الشمال والجنوب.

طوال عام ونصف، عاشت الدلنج تحت وطأة:

• القصف الممنهج: مسيّرات انقضاضية ومدفعية ثقيلة استهدفت الأسواق والأحياء السكنية.

• الخناق الإنساني: نفاد الدواء، شح الغذاء، وتوقف المستشفيات، مما حول حياة آلاف الأسر إلى صراع يومي من أجل البقاء.

2. العقدة الاستراتيجية: لماذا

استمات “التمرد” في حصارها؟

بالنسبة لقوات الدعم السريع، كانت الدلنج والمدن المحيطة بها تشكل “حائط صد استراتيجي”. الهدف كان منع الجيش السوداني من التقدم نحو إقليم دارفور، وتأمين خطوط إمداد بديلة. كانت السيطرة على الدلنج تعني شل حركة الجيش في وسط السودان بالكامل.

3. عملية “عنوة واقتدارا”: الالتفاف والمفاجأة

مع مطلع عام 2026، وبعد أسابيع من الضغوط الميدانية عقب سقوط الفاشر وبابنوسة، قرر الجيش السوداني تغيير قواعد اللعبة. وبتوجيهات مباشرة من القيادة، نفذ الجيش ما وصفها بـ “العملية العسكرية المحكمة”.

• تكتيك “الجبال الشرقية”: بدلاً من الانتحار العسكري عبر الطريق التقليدي (الأبيض – الدلنج) المكشوف للمسيرات والتشويش، سلك الجيش مسارات وعرة عبر الجبال الشرقية.

• عنصر المفاجأة: في 26 يناير 2026، باغتت قوات الجيش و”متحرك الصياد” والقوات المشتركة الحركات المتمردة داخل الدلنج، مما أدى إلى انهيار دفاعاتهم وفرارهم مخلفين وراءهم خسائر فادحة في العتاد والأرواح.

4. يوم النصر: “خندق واحد” وفرحة استرداد الهوية

لم تكن لحظة دخول الجيش مجرد عبور عسكري، بل كانت ملحمة شعبية؛ حيث خرج الأهالي لاستقبال الوحدات العسكرية بالهتافات، وبث الجنود مقاطع فيديو توثق بسط السيطرة الكاملة وتأمين مداخل المدينة.

تزامن هذا النصر مع تصريحات حازمة لرئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي أكد أن القوات النظامية تقف في خندق واحد مع الشعب لإنهاء التمرد، متعهداً بعدم السماح بأي فرصة أخرى لنشوء تمرد جديد.

5. ما بعد الدلنج: الزلزال العسكري القادم

إن تحرير الدلنج ليس نهاية المعركة، بل هو مفتاح الانفجار الهجومي القادم للجيش:

1. فك حصار كادوقلي: أصبحت الطريق الآن ممهدة لتحرير عاصمة الولاية وتأمين جنوب كردفان بالكامل.

2. فتح المسار نحو دارفور: بكسر هذا الحائط، أصبح بإمكان “الكتلة الصلبة” للجيش التقدم شمالاً وغرباً لتغيير موازين القوى في الأقاليم الملتهبة.

3. تأمين الحدود: التقدم العسكري في مناطق “السلك” المتاخمة لإثيوبيا بالتزامن مع نصر الدلنج، يقطع الطريق على أي إمداد خارجي للمتمردين.

الخلاصة: قصة الدلنج هي قصة تحول الجيش من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي الهادئ، وهي رسالة ميدانية مفادها أن “زمام المبادرة” قد عاد فعلياً إلى يد القوات المسلحة السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى