الدراما السودانية بين حرية الإبداع والمسؤولية المجتمعية.. هل تسيء بعض الأعمال إلى صورة السودان؟
Mazin
تحقيق: ماجدة حسن أعاد الانتشار المتزايد للأعمال الدرامية السودانية عبر منصات التواصل الاجتماعي الجدل حول العلاقة بين حرية الإبداع والمسؤولية المجتمعية، في ظل ظهور محتوى يقدمه أشخاص من خارج الأطر المهنية المعروفة، بعضه يحقق انتشاراً واسعاً، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول المستوى الفني، ومدى احترامه للقيم المجتمعية، وانعكاسه على صورة السودان والدراما السودانية. وبينما يرى البعض أن منصات التواصل أوجدت مساحة غير مسبوقة للتعبير واكتشاف المواهب بعيداً عن المؤسسات التقليدية، يرى آخرون أن غياب المعايير المهنية والرقابة المختصة قد يحول الدراما إلى وسيلة لصناعة الترند، حتى وإن جاء ذلك على حساب المضمون والصورة العامة للمجتمع. أعمال تفتقر إلى الوعي وقال الممثل القدير أمير عبدالله، عضو فرقة الأصدقاء، إن الساحة تشهد بالفعل أعمالاً «فطيرة» يقدمها أشخاص ليست لهم علاقة حقيقية بالدراما، ويسعون إلى الشهرة من خلال محتوى يفتقر إلى الوعي والدراسة والفهم لطبيعة العمل الدرامي. وأوضح أن مثل هذه الأعمال لا تسيء إلى الدراما والدراميين فحسب، وإنما تمتد إساءتها إلى السودانيين وصورة السودان بصورة عامة، مشيراً إلى صعوبة السيطرة على منصات التواصل الاجتماعي أو منع أي شخص من ممارسة حقه في التعبير. وأضاف أن المشكلة لا تكمن في ممارسة الفن أو التعبير، وإنما في استغلال الدراما بصورة غير احترافية، ومن دون معرفة بأبجديات العمل الدرامي، الأمر الذي قد يضر بالرسالة الفنية وبالمجتمع في الوقت ذاته. ودعا عبدالله إلى فتح نقاش واسع حول الظاهرة بمشاركة الدراميين والمهتمين والصحافة ووزارة الثقافة والإعلام، للوصول إلى رؤية توازن بين حرية التعبير وحماية المهنة والمجتمع. الفن.. رسالة قبل أن يكون انتشاراً من جانبه، أكد الممثل غدير ميرغني أن الفن رسالة، وأن الدراما تحديداً ينبغي أن تجمع بين التعليم والمتعة، موضحاً أن المقصود بالتعليم هو أن يحمل العمل قيمة، سواء كانت مباشرة أو رمزية، وتدعو إلى الخير والحق والجمال. وأشار إلى أن لكل مجتمع قيماً ومثلاً ينبغي احترامها، إلى جانب قيم إنسانية مشتركة بين المجتمعات والأديان، معتبراً أن بعض المحتوى المنتشر حالياً عبر منصات التواصل لا يمت إلى الفن والدراما بصلة حقيقية، ولا يعكس الصورة التي ينبغي أن يقدمها السودان. ويرى ميرغني أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، وفي مقدمتها الحرب، ألقت بظلالها على المجتمع والفن معاً، وقد تنتج أحياناً أعمالاً تعكس حالة التشوه والاضطراب التي يعيشها الواقع. الحرية لا تعني غياب المسؤولية وفي قراءة أكثر ارتباطاً بتنظيم المهنة، قال المخرج والممثل السوداني طارق خندقاوي إن المجال الفني بطبيعته مفتوح أمام الجميع، ولا ينبغي أن يكون حكراً على الدارسين أو المنتمين أكاديمياً إلى مؤسسات الدراما والسينما. لكنه شدد في الوقت ذاته على أهمية وجود ضوابط مهنية واضحة للعمل الفني الرسمي، موضحاً أن ممارسة الفن كهواية أو موهبة حق متاح للجميع، بينما يترتب على الانتقال إلى العمل الفني الاحترافي مسؤوليات مهنية ومجتمعية أكبر. وأشار خندقاوي إلى أن تأثير الدراما لا يتوقف عند صناعها، وإنما يمتد إلى المجتمع وثقافته وهويته والصورة التي يقدمها عن نفسه للآخرين، ولذلك فإن التعامل مع المحتوى الدرامي يحتاج إلى قدر من الوعي والمسؤولية. وانتقد غياب الرقابة الفنية والثقافية عن بعض الأعمال التي تقدم عبر منصات التواصل الاجتماعي أو تعرض عبر القنوات التلفزيونية، متسائلاً عن دور الجهات المختصة بالرقابة على المصنفات الفنية، وكذلك إدارات القنوات التي تتيح عرض هذا المحتوى. وأكد أن المسؤولية لا تقع على الفنان وحده، وإنما تشمل مختلف الأطراف المشاركة في إنتاج المحتوى وإجازته وعرضه للجمهور. الموهبة لا ترتبط بالشهادة ورغم انتقاده لبعض مظاهر الفوضى في المشهد، رفض خندقاوي الربط بين عدم الدراسة الأكاديمية وغياب الموهبة، مشيراً إلى تجارب سينمائية سودانية شارك فيها أشخاص كانت تجربتهم الأولى في التمثيل، قبل أن يثبتوا حضورهم من خلال أعمال ذات سيناريوهات وقصص جيدة، ويشاركوا لاحقاً في مهرجانات وأعمال خارج السودان. وأوضح أن بعض المواهب اكتُشفت من خلال اختبارات الأداء «الكاستنغ»، قبل أن ترتبط بالفن وتتطور تجاربها، قائلاً: «نحنا مفروض ندعم ديل ونساعد الزي ديل». ويرى خندقاوي أن الحل لا يكمن في إغلاق المجال أمام المواهب الجديدة، وإنما في تنظيمه، بحيث تظل أبواب الإبداع مفتوحة، مع توفير التدريب والتأهيل والمعايير المهنية التي تمنع تحويل الإساءة أو صناعة الترند إلى معيار للنجاح. تنظيم المهنة لا مصادرة الإبداع وفي السياق ذاته، أكدت الممثلة والمخرجة عرفة حسن، رئيسة اتحاد الدراميات السودانيات، أن الاتحاد يعمل على تنظيم المهنة، معتبرة أن هذا الدور ينبغي أن يكون في مقدمة أولوياته، موضحة أن المقصود ليس فرض الرقابة على الإبداع، وإنما تنظيم المهنة والمضمون في ظل التأثير الكبير للدراما في المجتمع وصورة السودان. وأشارت حسن إلى حاجة الدراما السودانية إلى كيان مهني قوي يحمي المهنة وينظم العمل، مستحضرة تجارب سابقة، من بينها تجربة مجلس المهن في فترة المخرج الراحل علي مهدي، وما واجهته الكيانات المهنية لاحقاً من تحديات وتفكك أضعف قدرتها على تنظيم الوسط. وشددت على أن حرية الإبداع لا تتعارض مع المسؤولية المهنية والمجتمعية، خاصة عندما يتناول العمل قضايا المجتمع أو يقدم صورة عن السودان يمكن أن تؤثر في نظرة الآخرين إليه. كما أكدت أن احترام التخصص لا يعني إقصاء غير المتخصصين، معتبرة أن مكانة الفنان داخل الوسط ترتبط بما يقدمه من عمل واجتهاد واحترام للمهنة، داعية الدراميين إلى المحافظة على الكيانات المهنية وتطويرها بدلاً من تفكيكها. من يضع المعايير؟ المشكلة، وفقاً لآراء المشاركين في هذا التحقيق، لا تتعلق بحرية الإبداع في حد ذاتها، بل بالمساحة الفاصلة بين حرية التعبير والممارسة المهنية. فالسوشيال ميديا ألغت كثيراً من الحواجز التي كانت تحول دون وصول الموهبة إلى الجمهور، لكنها في الوقت نفسه أتاحت المجال أمام محتوى لا يخضع بالضرورة لمعايير فنية أو مهنية واضحة. ويبقى السؤال: من يضع هذه المعايير؟ ومن يحدد المسؤولية تجاه المحتوى الذي يقدم باسم الدراما السودانية؟ وهل يمكن تنظيم المهنة دون أن يتحول التنظيم إلى رقابة على الإبداع؟ الإجابة تبدو مرتبطة بقدرة المؤسسات المهنية والثقافية والإعلامية على بناء إطار واضح يحمي حرية التعبير، ويفتح الباب أمام المواهب الجديدة، وفي الوقت ذاته يرفع مستوى الوعي المهني، ويضع مسؤولية واضحة على المنتج والممثل والمخرج والمنصة والقناة. فالدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه أو صناعة المشاهدات؛ إنها أيضاً مرآة للمجتمع، وواحدة من الأدوات التي يمكن أن تقدم السودان إلى العالم. وبين حرية الإبداع وضرورة المسؤولية، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى تنظيم المهنة وتطوير أدواتها، لا إلى إغلاق أبوابها، حتى لا تصبح الفوضى الرقمية بديلاً عن الفن، ولا يتحول البحث عن الشهرة إلى معيار للحكم على التجربة الدرامية السودانية.