الخصم المراوغ.. تحولات جديدة في الأمن السيبراني. (٢/١)
Mazin
آفاق رقمية
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
اطلعت على تقرير كراود سترايك العالمي (CrowdStrike)للتهديدات السيبرانية لعام ٢٠٢٦م، الذي يستعرض نشاط التهديدات خلال عام ٢٠٢٥م، وقد لفت انتباهي وصف التقرير لذلك العام بأنه عام “الخصم المراوغ”. فالتقرير يرصد تحولا في طبيعة الهجمات السيبرانية، يرتبط بتطور أساليب المهاجمين، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، والقدرة على استغلال الثغرات والحسابات المشروعة للتحرك داخل الأنظمة دون إثارة الانتباه.
يشير التقرير إلى ارتفاع الهجمات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي بنسبة ٨٩% خلال عام ٢٠٢٥م، يعكس هذا الرقم اتساع توظيف التقنية في أنشطة الهجوم؛ من إعداد رسائل التصيد وانتحال الشخصيات، إلى جمع المعلومات عن المؤسسات، وكتابة الشيفرات، وتحليل البيانات، وتطوير أدوات تساعد المهاجم على تنفيذ عملياته.
لم يبتكر الذكاء الاصطناعي أساليب هجومية جديدة، لكنه منح الأساليب المعروفة سرعة في التنفيذ، وسهولة في التوسع، ومرونة في التكيف مع طبيعة الأهداف. وأصبحت بعض المهام التي كانت تتطلب وقتا وخبرة متخصصين قابلة للإنجاز بمساعدة أدوات ذكية في وقت وجيز جدا، مما يفرض على المؤسسات مراجعة استعدادها للتعامل مع هذه التهديدات.
ومن الأرقام اللافتة في التقرير ما يتعلق بسرعة تحرك المهاجم داخل البيئة المستهدفة، فقد بلغ متوسط الزمن اللازم للانتقال من الاختراق الأولي إلى التحرك داخل الشبكة نحو ٢٩ دقيقة خلال عام ٢٠٢٥م، وسجل التقرير حالة استغرقت ٢٧ ثانية فقط، هذه السرعة تضيق الوقت المتاح أمام فرق الأمن السيبراني لاكتشاف الاختراق واحتوائه، فقد تبدأ العملية بالدخول عبر حساب مخترق، ثم تتبعها محاولات للوصول إلى أنظمة أخرى أو بيانات حساسة، قبل أن تتمكن المؤسسة من معرفة ما يجري داخل بيئتها الرقمية.
ويكشف التقرير عن تحول مهم آخر، يتمثل في أن الهجوم لا يحتاج دائما إلى برمجيات خبيثة، فقد أظهرت بياناته أن ٨٢% من الاكتشافات الأمنية خلال عام ٢٠٢٥م ارتبطت بأنشطة خالية من البرمجيات الخبيثة، مقارنة بنحو ٥١% عام ٢٠٢٠م. ويعني ذلك أن المهاجم قد يستعين بحساب موظف حقيقي، أو يستخدم أدوات إدارية موجودة داخل المؤسسة، أو يتحرك عبر خدمات سحابية موثوقة. وتكمن الصعوبة في أن هذه الأدوات والحسابات تؤدي وظائف مشروعة في الظروف الطبيعية، بينما يمكن استغلالها لتنفيذ أنشطة ضارة. وبذلك يتسع نطاق الأمن السيبراني ليشمل مراقبة السلوك الرقمي، والتحقق من طبيعة الأنشطة، ومراجعة الصلاحيات، وربط الأحداث التي تقع داخل الأنظمة المختلفة. فوجود حساب صحيح أو أداة موثوقة لا يكفي وحده للحكم على سلامة النشاط الصادر عنها. ويؤكد التقرير هذا الاتجاه من خلال رصده ارتفاع الاختراقات المرتبطة بالبيئات السحابية بنسبة ٣٧%، مع الإشارة إلى أن إساءة استخدام الحسابات الصحيحة شكلت ٣٥% من حوادث السحابة التي تناولها التقرير.
وتضع هذه المؤشرات الهوية الرقمية وإدارة الصلاحيات في قلب منظومة الحماية. فالحسابات التي تملك حق الوصول إلى الأنظمة والبيانات تحتاج إلى متابعة مستمرة، مع منح كل مستخدم القدر اللازم من الصلاحيات لأداء مهامه، والتحقق من هويته، ورصد أي تغير غير معتاد في نشاطه.
ويؤدي الذكاء الاصطناعي دورا مزدوجا في هذا المشهد؛ إذ يستفيد منه المهاجم في جمع المعلومات وتحليلها وتطوير أساليب الخداع، وتستطيع فرق الحماية استخدامه في تحليل الأحداث الأمنية، واكتشاف الأنماط غير المعتادة، وتسريع الاستجابة للحوادث، وتظل النتيجة مرتبطة بجودة البيانات، وكفاءة الأدوات، وقدرة المختصين على التحقق من التنبيهات واتخاذ الإجراءات المناسبة.
وتحمل هذه التطورات دلالات مهمة للسودان، مع التوجه إلى إعادة بناء المؤسسات وتوسيع الخدمات الرقمية. فكل نظام جديد يضيف حسابات وبيانات واتصالات وتكاملات بين المؤسسات، وهو ما يستدعي إدراج الأمن السيبراني في تصميم المشروعات منذ مراحلها الأولى، بدلا من التعامل معه لاحقا لتشغيل النظام.
إن بناء مؤسسة رقمية آمنة يتطلب معرفة دقيقة بمن يدخل إلى الأنظمة، والصلاحيات التي يمتلكها، والأنشطة التي ينفذها، وطبيعة الاتصالات التي يجريها. كما يتطلب ربط مراقبة الأجهزة بالهوية والشبكات والخدمات السحابية، حتى تتمكن فرق الحماية من رؤية الأحداث في سياقها الكامل.
لقد أصبح الزمن عنصرا حاسما في الأمن السيبراني، فالفاصل بين الاختراق واكتشافه واحتوائه قد يحدد حجم الضرر الذي تتعرض له المؤسسة، ولهذا تحتاج المؤسسات إلى الجمع بين الوقاية والمراقبة المستمرة والاستجابة المنظمة، مع تدريب العاملين ورفع وعيهم بأساليب الخداع الرقمي.
في الحلقة الثانية، أنتقل إلى جانب آخر من هذا التحول، يتصل بتعرض منصات الذكاء الاصطناعي نفسها للهجوم، ومخاطر سلاسل توريد البرمجيات، والثغرات الأمنية، والحاجة إلى تطوير منظومة حماية تواكب اتساع البيئة الرقمية.