

عثمان عربي المحامي يكتب :
لم اكن اعرف يوم خرجت من السودان انني لا احمل حقيبة سفر
كنت احمل وطنا
اغلقت الباب خلفي كما يغلق الانسان بابا يظن انه سيفتحه بعد ايام، وقلت
ساعود
كانت كلمة صغيرة لكنني لم اكن اعرف انها ستكبر حتى تصبح عامين من الانتظار
خرجت الى القاهرة ومنها للسعودية والحرب مشتعلة
لم اخرج من وطن هادئ الى غربة هادئة بل خرجت من نار تقترب الى مكان ظننته محطة عابرة
قلت
حين تهدأ الحرب نعود
لكن الحرب لم تهدأ
مر شهر ثم عام ثم عامان واكثر
وصارت حياتي معلقة بين مطار ومطار
خروج
عودة
حتى صار جواز سفري يعرف عني اكثر مما اعرف عن نفسي
في الغربة تعلمت معنى الكفيل
كلمة قصيرة لكنها كانت تذكرني كل يوم ان اقامتي ليست لي تماما
كان لي مفتاح وليس لي بيت
قد يكون لي راتب وليس لي امان كامل
لي اقامة وليس لي استقرار
كنت اعيش في بلد اخر لكنني لم استطع ان اسكنه
والكفيل لم يكن شخصا فقط
كان ظلا يمشي معك
كان ورقة
كان سؤالا خفيا يرافق المقيم
الى متى يمكنك ان تبقى
كنت اخرج من الغرفة فيخرج معي
ادخل العمل فيدخل معي
اجدد اوراقي فيقف بيني وبين اليقين
ثم فهمت ان اقسى ما في الغربة ليس ان تكون بعيدا عن اهلك
اقساها ان تكون قريبا من كل شيء، وبعيدا عن الشيء الوحيد الذي يشبهك
الوطن
كنت افتح الهاتف بحثا عن السودان
اخاف من الخبر واخاف اكثر من الصمت
قد ينام الانسان في مدينة آمنة لكن قلبه يظل مستيقظا في وطن يحترق
كنت اعيش هنا بجسدي وهناك بروحي
ومع الوقت تغير السؤال
لم اعد اسال
متى اعود
صار السؤال
هل استطيع ان اعود
ثم جاء اليوم
حجزت الرحلة
وضعت حقيبتي امامي ونظرت اليها طويلا
قلت
هذه المرة لن نخرج لنعود
هذه المرة سنعود لنستقر
وحين اقلعت الطائرة رأيت عامين كاملين يتراجعان تحت جناحيها
المطارات
الاختام
الاوراق
الغرفة
الانتظار
الكفيل
والرجل الذي قال ذات يوم
ساعود
قلت له
نعم
لكننا لن نعود كما خرجنا
وحين ظهرت ارض السودان من تحت الغيوم سبقني قلبي
كان الوطن جريحا
متعبا
مختلفا
لكنه كان هناك
وحين وطئت قدماي ارضه لم اشعر انني وصلت الى بلد
شعرت انني وصلت الى نفسي
لمست التراب
فلم يكن ترابا
كان طفولة
وذاكرة
ورائحة بيت
ووجوها غابت ووجوها بقيت
وقلت
يا سودان…
لم اعد اليك لانك بخير
عدت اليك لانك انت
هناك كنت مقيما
هنا انا ابن المكان
هناك كان اسمي في ورقة
هنا اسمي في التراب
هناك كنت اسال
هل يسمح لي ان ابقى
هنا لا احتاج الى احد كي يسمح لي ان اكون انا
وعندها فهمت
الوطن ليس المكان الذي لم نغادره
الوطن هو المكان الذي غادرناه وبقي فينا
ووضعت حقيبتي في الداخل
هذه المرة لم اتركها قرب الباب
لم اعد انتظر رحلة اخرى
لم اعد اقول
ساعود
لانني وصلت
لكن الحقيقة الاعمق كانت انني لم اعد الى السودان
السودان هو الذي ظل يعود الي كل يوم
في صوتي
في حنيني
في خوفي
في دعائي
وفي كل مرة قلت فيها
ساعود
حتى فهمت اخيرا ان ساعود لم تكن وعدا للسودان
كانت وعدا لنفسي
وان كل ما عشته في الغربة لم يكن رحلة بعيدا عن الوطن
كان رحلة طويلة…
الى الوطن
اسمها
الخروج الى الوطن
عثمان عربي
https://www.facebook.com/share/p/18NQqqg8Uc/?mibextid=wwXIfr