الخرطوم… عودة بلا اكتمال ارتفاع وتيرة العودة يكشف فجوة بين الطلب المتزايد وقدرة البنية التحتية على الاستجابة

الخرطوم: حفية نورالدائم
على امتداد شوارع الخرطوم، تتجاور مشاهد متناقضة: متاجر تُفتح أبوابها، وأحياء ما تزال خارج الخدمة؛ حركة مواصلات محدودة، وشبكات خدمات منهكة. هذه الصورة المختلطة لا تعكس مجرد واقع خدمي متدهور، بل تعبّر عن مرحلة انتقالية معقدة، تتقدم فيها عودة السكان بوتيرة أسرع من قدرة المدينة على التعافي والاستيعاب.
وتتسارع وتيرة عودة المواطنين إلى أحياء العاصمة، مدفوعة بارتفاع تكاليف النزوح وضغوط المعيشة خارجها، إلى جانب عوامل اجتماعية ونفسية مرتبطة بالرغبة في الاستقرار والعودة إلى البيوت. في المقابل، لا يزال الواقع الخدمي يعاني من اختلالات واضحة، ما يخلق فجوة بين تطلعات العائدين وإمكانات المدينة.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى عودة ما بين 30% إلى 40% من سكان بعض أحياء الخرطوم خلال الفترة الأخيرة، خاصة في أم درمان وبحري وأجزاء من الخرطوم الكبرى، مع تفاوت ملحوظ بين حي وآخر حسب مستوى الضرر الذي لحق بالبنية التحتية والخدمات.
وتقول إنعام التني، إحدى العائدات من مصر
“عدتُ إلى الخرطوم لتجهيز المنزل استعداداً لعودة بقية أفراد الأسرة، بعد أن أصبحت تكاليف الإيجار في القاهرة مرتفعة بشكل يفوق قدرتنا… وعلى الرغم من أن لدينا منزلاً هنا، فإننا نواجه صعوبات كبيرة في الحصول على الخدمات الأساسية، خاصة المياه والكهرباء.”
ورغم هذه العودة التدريجية، لا تزال أحياء كاملة خارج دائرة الاستقرار بسبب الدمار الجزئي أو الكلي، خاصة في المناطق التي شهدت اشتباكات عنيفة، ما يحد من قدرة السكان على الرجوع إليها أو الاستقرار فيها بشكل كامل.

الخدمات الأساسية… بين التحسن النسبي وضغوط الطلب
وتُظهر المؤشرات الميدانية تبايناً في مستوى الخدمات الأساسية، حيث يتراوح استقرار الكهرباء بين 40% و60% في بعض المناطق، بينما تشهد مناطق أخرى انقطاعات يومية تمتد لساعات طويلة قد تصل إلى 12 أو 16 ساعة.
هذا التفاوت لا يعكس فقط حجم الضرر الذي لحق بالشبكات، بل أيضاً الفجوة بين حجم الطلب المتزايد نتيجة عودة السكان، وقدرة الشبكات على التوزيع والإمداد.
أما إمدادات المياه، فقد عادت جزئياً عبر الشبكات في عدد من الأحياء، إلا أن الاعتماد على مصادر بديلة ما يزال مرتفعاً، حيث يعتمد نحو 40% من السكان على الآبار والتناكر كمصادر رئيسية للحصول على المياه.

ويقول أحد الفنيين في قطاع المياه:
“الشبكات تعرضت لأضرار كبيرة خلال الفترة الماضية، سواء في محطات الضخ أو خطوط النقل… ويجري العمل حالياً على إعادة التشغيل تدريجياً، لكن العملية معقدة وتحتاج إلى تمويل وضغط فني كبيرين.”
من جانبه، يشير المهندس عبد الرحمن الأمين، المختص في التخطيط الحضري، إلى أن التحدي لا يكمن فقط في إعادة التأهيل، بل في إدارة الطلب المتزايد. ويقول:
“المدينة تستقبل أعداداً متزايدة من السكان في وقت لم تُستكمل فيه عمليات الصيانة والتأهيل، ما يضع ضغطاً إضافياً على شبكات كانت تعمل أصلاً بهامش محدود من الكفاءة.”
ويضيف أن الحل يتطلب “خطة طوارئ حضرية قائمة على الأولويات، تبدأ بالمناطق الأكثر كثافة سكانية، مع إدخال حلول مؤقتة تدعم استمرارية الخدمات إلى حين اكتمال الإعمار.”
القطاع الصحي… استعادة جزئية وفجوات كبيرة
في القطاع الصحي، تشير تقديرات عاملين في المجال إلى أن نحو 40% من المستشفيات الحكومية عادت إلى العمل، بينما تعمل مراكز صحية عديدة بطاقة محدودة لا تتجاوز 30% في بعض الحالات.
وتتجلى أبرز التحديات في نقص الكوادر الطبية نتيجة الهجرة والنزوح، إلى جانب شح الإمدادات الطبية، وضعف البنية التحتية في عدد من المرافق الصحية التي تعرضت لأضرار مباشرة أو غير مباشرة.

وتقول د. سهي المهدي:
“نعمل في ظروف صعبة وإمكانات محدودة، وفي بعض الأحيان نضطر للاعتذار عن استقبال حالات بسبب نقص التجهيزات أو الأدوية الأساسية.”
وتضيف أن الضغط المتزايد على أقسام الطوارئ يعكس حجم الاحتياج الصحي المتراكم، خاصة مع عودة السكان دون اكتمال المنظومة الصحية بشكل متوازن.
وتوضح د. سارة عبد الله، اختصاصية الصحة العامة، أن التحديات لا تتوقف عند حدود الإمكانيات، بل تشمل أيضاً الحاجة إلى إعادة بناء الثقة في النظام الصحي. وتقول:
“هناك فجوة في الموارد البشرية، لكن أيضاً هناك حاجة إلى إعادة تنظيم الخدمات الصحية وتوزيعها بشكل أكثر كفاءة، مع دعم برامج الإمداد والتدريب.”
*الأسواق… نشاط متزايد وتراجع في القوة الشرائية
وشهدت الأسواق الرئيسية، مثل السوق العربي وأم درمان، عودة نسبية للنشاط التجاري تُقدّر بنحو 50% مقارنة بما قبل الأزمة، مع توفر السلع الأساسية بشكل عام.
إلا أن هذا التعافي الظاهري يصطدم بواقع اقتصادي مختلف، حيث ارتفعت الأسعار بشكل كبير، تتراوح نسبته بين 150% و300% لبعض السلع، مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.
في المقابل، تراجعت القوة الشرائية للمواطنين بشكل ملحوظ، نتيجة تآكل الدخول وارتفاع معدلات البطالة، ما جعل الحركة التجارية محدودة رغم توفر السلع.

ويقول أحد التجار:
“السلع موجودة في السوق، لكن الإقبال ضعيف… الناس تشتري بالكاد احتياجاتها الأساسية، والحركة التجارية لم تعد كما كانت.”
هذا التباين بين العرض والطلب يعكس خللاً في التوازن الاقتصادي، حيث لا يؤدي توفر السلع وحده إلى تنشيط السوق في ظل ضعف القدرة الشرائية.
*التعليم… خسائر عميقة ومستقبل ضبابي
ويُعد قطاع التعليم من أكثر القطاعات تأثراً بالأزمة، حيث خرج عدد كبير من المدارس عن الخدمة، سواء بسبب الأضرار المباشرة أو نتيجة نقص الكوادر التعليمية أو توقف التمويل.
وتشير تقديرات تربوية إلى أن ما بين 25% و35% من الطلاب مهددون بعدم العودة إلى الدراسة، خاصة من الأسر التي ما تزال في أوضاع نزوح أو تعاني من ضغوط اقتصادية.

ويقول المعلم صديق الطيب:
“هناك فجوة تعليمية كبيرة، وبعض الطلاب انقطعوا عن الدراسة لفترات طويلة… وإذا لم يتم التدخل بشكل عاجل، قد نواجه خسارة تعليمية يصعب تعويضها لاحقاً.”
ويحذر خبراء التربية من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى، تشمل ضعف التحصيل الأكاديمي وزيادة معدلات التسرب، ما يستدعي برامج تدخل تشمل التعليم التعويضي، وإعادة تأهيل المدارس، وتوفير بيئة تعليمية مستقرة.

الاقتصاد المحلي… تعافٍ بطيء وتحديات هيكلية
ويرى خبراء اقتصاديون أن الاقتصاد المحلي في الخرطوم يمر بمرحلة هشّة، حيث لا تزال مؤشرات التعافي بطيئة ومتفاوتة بين القطاعات.
ويقول الخبير الاقتصادي د. هيثم فتحي أن “التعافي الحقيقي يتطلب إعادة تشغيل قطاعات الإنتاج، وليس فقط عودة الأنشطة التجارية والخدمية. هناك حاجة إلى سياسات تدعم الإنتاج، وتوفر التمويل، وتعيد الاستقرار النقدي.”
ويضيف أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف السيولة، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل الدخول، إلى جانب غياب الاستقرار في البيئة الاقتصادية، ما يؤثر على ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.

جهود حكومية متواصلة
وتتواصل الجهود الحكومية والمجتمعية لإعادة الحياة تدريجياً إلى العاصمة، حيث تعمل الجهات الرسمية على إعادة تأهيل الطرق والمصارف، وإعادة تشغيل المرافق الخدمية، إلى جانب دعم برامج العودة الطوعية.
في المقابل، تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً في سد الفجوات عبر تقديم مساعدات إنسانية، ودعم الأسر المتضررة، وتنفيذ مبادرات لإعادة التأهيل المجتمعي، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً.

ويقول محمد بشير، صاحب ورشة:
“عدنا للعمل، لكن عدد الزبائن قليل… الناس حالياً تركز على الاحتياجات الأساسية، وهذا أثر على حركة السوق بشكل كبير.”

وتضيف سمية ميرغني، ربة منزل:
“الحياة صعبة، لكن العودة إلى البيت رغم كل الظروف أفضل من البقاء في الغربة… على الأقل هناك شعور بالاستقرار.”

إعادة الإعمار… مقاربة شاملة
يتفق مختصون على أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية شاملة لإعادة إعمار الخرطوم، تتجاوز المعالجات الجزئية إلى خطط استراتيجية طويلة المدى.
ويؤكد الخبير في إدارة الأزمات د. محمد عبد الرحيم أن “إعادة الإعمار لا تعني فقط إصلاح البنية التحتية، بل بناء نموذج مدينة قادر على الصمود أمام الأزمات المستقبلية، من خلال تحسين التخطيط الحضري، وتطوير الخدمات، وتعزيز الحوكمة.”
ويشدد على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب الدعم الدولي، لضمان تمويل كافٍ وتنفيذ فعّال، مع إشراك المجتمع المحلي في عملية التخطيط والتنفيذ.
وبين عودة تتسارع وخدمات تتعثر، تقف الخرطوم أمام مرحلة مفصلية؛ فإما أن تتحول هذه التحديات إلى فرصة لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة، أو تستمر المدينة في رحلة تعافٍ بطيء يطول أمده، ويثقل كاهل سكانها.

Exit mobile version