تقارير

الخرطوم على حافة التعافي.. هل توجد استراتيجية حكومية لإحياء اقتصادها؟”

تقرير: انتصار فضل الله
مع أول ضوءٍ للصباح، وقف “عمار” أمام متجره الصغير في أحد أحياء الخرطوم، يتأمل بابًا متفحمًا وجدرانًا فقدت لونها. قبل أشهر، كان المكان يعج بالحركة والزبائن، أما اليوم فالصمت يخيّم على كل شيء. لا كهرباء، لا مياه، ولا ملامح واضحة لعودة قريبة.
يقول بصوتٍ منخفض: “لسنا فقط خسرنا تجارتنا… خسرنا المدينة نفسها”.
هذه الحكاية ليست استثناءً، بل تختصر واقع مدينة خرجت من دورة الاقتصاد إلى فراغ ثقيل، بعد أن كانت تمثل القلب النابض للنشاط التجاري والخدمي في السودان.

مدينة بلا إيقاع
في شوارع الخرطوم، تتجلى آثار الدمار بوضوح: محال مغلقة، مؤسسات متوقفة، وأحياء شبه خالية من السكان. لكن الخسارة الأكبر تكمن في ما لا يُرى بالعين المجردة: اقتصاد حضري تعطّل، وسوق فقد توازنه، وسلاسل إنتاج وتوزيع تفككت بالكامل.
وتشير تقديرات أولية إلى أن أكثر من 60% من الأنشطة التجارية توقفت خلال فترة الحرب، فيما تضررت قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، حيث خرجت عشرات المرافق عن الخدمة كليًا أو جزئيًا.

اقتصاد البقاء بدلًا من السوق
في ظل هذا الواقع، تغيّرت قواعد النشاط الاقتصادي. لم يعد الهدف تحقيق الربح، بل تأمين الحد الأدنى من البقاء.
ظهرت أسواق موازية، وارتفعت الأسعار بنسب تتجاوز 100% في بعض السلع الأساسية، بينما تراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد.
يقول المواطن محافظ خضر أحمد” ل” إيلاف” ، “بقينا نشتري الضروريات فقط حتى الأكل أصبح نحسبه بالقطعة، وليس بالكيلو”.
فيما تضيف “حنان عبد الله”: “كنا نفكر في تحسين حياتنا… الآن نفكر فقط كيف نعيش اليوم بيومه”.

القطاع الخاص… نزيف مستمر
بداية التعافي… ولكن
ورغم قتامة المشهد، بدأت بعض مؤشرات التعافي في الظهور، مع عودة الحكومة المركزية للعمل من داخل الخرطوم، وانتقال مؤسسات حيوية مثل وزارة المالية والبنك المركزي، إلى جانب عودة نحو 38 مصرفًا.
هذه الخطوة، بحسب خبراء، أسهمت في تحريك النشاط الاقتصادي تدريجيًا، وشجعت بعض القطاعات على استئناف أعمالها.
لكن التحدي الأكبر لا يزال قائمًا: كيف يمكن إعادة بناء مدينة بهذا الحجم من الدمار، وفي ظل موارد محدودة، وبيئة استثمارية لا تزال هشة؟
وفي قلب الأزمة، يقف القطاع الخاص كأحد أكبر المتضررين. مصانع متوقفة، متاجر مغلقة، ورؤوس أموال تآكلت بفعل النهب وتوقف النشاط.
وقال معاوية البرير رئيس اتحاد أصحاب العمل في حديث سابق ل” إيلاف” إن القطاع الخاص تكبّد خسائر بعشرات المليارات من الدولارات، نتيجة التدمير المباشر وتوقف الإنتاج وانهيار سلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن عددًا كبيرًا من الشركات خرج من السوق، بينما تعمل أخرى بأقل من 50% من طاقتها التشغيلية، إن كانت قد عادت أصلًا.
وأضاف أن التحدي لا يقتصر على تعويض الخسائر، بل يمتد إلى “إعادة الثقة في بيئة الأعمال”، محذرًا من استمرار خروج رؤوس الأموال ما لم يتم توفير بيئة مستقرة ومحفزة للاستثمار.

فاتورة ثقيلة
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي د. محمد الناير ل” إيلاف ” ن تكلفة إعادة إعمار الخرطوم “ضخمة للغاية”، في ظل تدمير شبه كامل طال قطاعات رئيسية.
وأوضح أن القطاع الصناعي تضرر بنسبة تتراوح بين 70% و75%، فيما تأثر قطاع النفط، خاصة مصفاة الخرطوم، بشكل مباشر، ما انعكس على الإمدادات الحيوية.
وأضاف أن القطاع المصرفي تعرض لعمليات نهب واسعة، لافتًا إلى أن الخرطوم كانت تستحوذ على نحو 60% إلى 65% من النشاط المصرفي في البلاد، ما ضاعف من أثر الخسائر على الاقتصاد الكلي.
كما أشار إلى أن الأضرار امتدت إلى القطاعين التجاري والزراعي، إضافة إلى خسائر المواطنين في الأموال والذهب والممتلكات الخاصة.
وكشف الناير أن التقديرات الأولية تشير إلى أن حجم الخسائر قد يصل إلى عشرات المليارات من الدولار، في ظل غياب حصر دقيق حتى الآن.
يرى الناير أن المرحلة المقبلة يجب ألا تكرر أخطاء الماضي، وعلى رأسها تركز الاستثمارات في الخرطوم وحدها.
ويؤكد أهمية توزيع الأنشطة الاقتصادية على الولايات، لبناء اقتصاد أكثر توازنًا وقدرة على الصمود.
واضاف : في ظل غياب رؤية شاملة حتى الآن، تبقى الحاجة ملحّة لتشكيل لجنة فنية لحصر الخسائر بدقة، ووضع خطة وطنية لإعادة الإعمار، لا تقتصر على إعادة البناء، بل تمتد لإعادة تشكيل الاقتصاد نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى