الخارجية تطالب “التحول الرقمي” بالنجدة

بسم الله الرحمن الرحيم
استُفهامات
أحمد المصطفى إبراهيم

في ليلة من ليالي الاغتراب القسري أو اللجوء بسبب الحرب، دُعينا إلى حفل تدشين مبنى القنصلية السودانية الجديد بجدة، والذي تم شراؤه ليكون ملكاً سودانياً يريح الخزينة العامة من الإيجارات. وشرفه يومها وزير الخارجية ذات نفسه؛ مبنى كبير كان قصراً لواحدة من علية القوم.
لم أفهم سبب اختيار كبر مساحة المبنى الجديد – الذي يجري تعديله ليسع المراجعين ويريحهم – إلا اليوم الأحد (27/9/2026م)؛ حيث ذهبت مع ابنتي للقنصلية لتوثيق شهادتها. آلاف السودانيين محشورون في صالة لا داعي لوصفها – أترك لكم أن تتخيلوا كيف هي؟ أعملوا خيالكم وأنا واثق أنه لن يخذلكم!
تجمهر آلاف الناس في دائرة حكومية في هذا العصر يدل على قصور إداري، وإذا أردنا تخفيف العبارة نقول: “عدم مواكبة العصر”؛ العصر الذي صارت فيه عبارات مثل الذكاء الاصطناعي (AI) وكلمة “تطبيق” على كل لسان.
بالله كم كلف هؤلاء المراجعون السفر من مدن بعيدة والحضور الى مقر القنصلية ونفقات السكن وخطورة الطرق وظروف الأسر المختلفة كل ذلك ألا يمكن استبداله بعدة نقرات على لوحة المفاتيح؟ الى متى عجز القادرين على التمام؟
أولاً: أشهد أن تعامل موظفي القنصلية كان في غاية الذوق والرقي، والنوافذ كثيرة ومرقمة، والكراسي كثيرة ويمكنني أن أقول: إنها كافية إلى حدٍّ ما. وكل ذلك جميل، ولكن هناك ما هو أجمل!
أملنا في الله كبير أن نصبح دولة محترمة، ومن ثم أملنا في وزارة التحول الرقمي والاتصالات التي ورثت تخلفاً رقمياً هائلاً لا يمكن أن تغير واقعه بين عشية وضحاها. غير أن هذه الورثة المثقلة تتطلب من وزارة التحول الرقمي العمل في مسارات عديدة ومتوازية، وأن توظف الطاقات الشبابية الهائلة التي تخرجت من الجامعات وهي تجلس على الرصيف وعيونها على الاغتراب؛ و”الزاد كان ما كفى ناس البيت يحرم على الجيران”.
هذه القنصلية – ومثلها كثير – توجد في بلدٍ الاتصالات فيه على مستوى ممتاز، والمراجعون أو طالبو الخدمة ممارسون جيدون لتكنولوجيا العصر؛ يتلقون كل خدماتهم “أونلاين”، وينفذون من بيوتهم عبر الهاتف المحمول أو الحساب الآلي كل الخدمات، والشراء، وحجوزات السفر الجوي والبحري والسكك الحديدية، والتعاملات البنكية.
ماذا لو التفتت وزارة التحول الرقمي والاتصالات إلى ما يجري في هذه القنصليات، وجعلتها تقدم خدماتها للسودانيين “أونلاين” توفيراً للوقت والجهد واحتراماً للمواطن؟
إن لم تكن كل الخدمات، فليكن معظمها وبتدرج مريح، وتلك التي يصعب تنفيذها إلا بالحضور الشخصي – كالبصمة والصورة – لتكن بترتيب مسبق ووقت محدد، لتنجز في لحظات ويغادر طالب الخدمة تاركاً المكان خالياً لغيره.
تقدم العمر له أدبه ولغته، ولو كان هذا المقال قبل عشرين سنة لكانت له مفردات مختلفة.. والحمد لله.

↑
Exit mobile version