الحيران

ألسنة وأقلام
بابكر إسماعيل
صور لنا القرآن صوراً كثيرة ومعبرة عن أناس ومواقف وأحوال من أحوال الدنيا والآخرة .. بغرض العظة بها والاعتبار منها ..
وقد ألّف المفكر الإسلامي سيّد قطب كتاباً عن التصوير الفني في القرآن وبيّن أنّ القرآن يخاطب الحسّ والوجدان كما يخاطب العقل والجنان .. لذا تراه يقدّم صوراً فنية معبّرة تعكس المعاني والمواقف والأحوال
ودعني أنقل لك صوراً قرآنية تعكس حالة محيرة وبطلها نفسه حيران .. لا أدرى إن كان سيد قطب قد تعرّض لها فقد طالت بنا الطيل منذ قرأناه ولكنها صورة جديرة بأن نقف عندها ونتأملها ونحللها تحليلاً قرآنياً عسى أن ينفع الله بها
وهذه الصورة وردت في سورة الأنعام حيث يصف الحق فيها حالة الحيران:
“كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ”
الآية ٧١
وتصور “شخصاً ما” متنازعاً ومحتاراً في أمره فمن جهة استهوته الشياطين وزيّنت له الإثم والعدوان والمكر والخداع ..وعلى الجانب الآخر يقف أصحاب له أخيار يدعونه إلى الهدى وإلى صراط مستقيم صراط الله وحزب الله الغالبين المفلحين .. وهو حيران بين شياطين الإنس والجنّ وبين أصحاب الكيد وإخوان الصفا ..
فلماذا يحتار الإنسان بين الخير البيّن والطريق المستقيم ويتلجلج في بركٍ آسنة من الآثام وأنهار من الدماء والحقوق والشبهات .. فيتذبذب بعض الناس حيارى في الحقّ وسُكارى من خمر الباطل والإثم والبغي والضلال ..؟!
يبيّن لنا القرآن أسباباً كثيرة لتلك الحيرة والتذبذب واللجلجة والضّلال فصلّها كتاب ربنا وصورها لنا في أبدع الصور وبيّنها لنا أوضح إبانة ..وأسبابها متعددة منها:
١/ ضعف النفس .. ووهن اليقين وخور وازع الدين :
فقد سألت الملائكة الوافدين الجدد إلى جهنّم:
“أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ”
الآية ١٠٥ من سورة المؤمنون
فماذ كان ردّ الجهنميون الذين كانوا محتارين في الدنيا عندما دعاهم أصحاب الخير .. قالوا:
” رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ” المؤمنون الآية ١٠٦
٢/ ومن أسباب الحيرة وعدم اتباع الحق طمع النفوس التي تمنّي صاحبها بالأماني وتغرّه وتضلّه ويظن صاحبها أنه اختار الخيار الصحيح ولكن يفاجأ في يوم التناد أنه في المعسكر الخاطيء ويرى الذين كان يخادعهم ناعمين في سرور وحبور فيدير معهم حواراً وبينهم السور الفاصل بين الجنة والنار كما صوّر لنا القرآن ذلك في سورة الحديد :
“يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ (١٤)
٣/ ومن الأسباب التي يحتج بها ضعاف النفوس المحتارون : أن الشيطان أغواهم وأضلّهم وأنّهم محض ضحايا للشيطان وأن الشيطان هو من يجب أن يُعاقَب يوم القيامة لا همّ …
ولكن كما يقول إخوتنا المصريون فإنّ الشيطان شاطر حيث ينبري مدافعاً عن نفسه بلسان مبين أمام الحقّ عزّ وجلّ مبرئاً نفسه الشيطانية من جميع اتهامات الشيطنة فيقول في سورة إبراهيم عليه السلام:
“وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ” الآية ٢٢
فلنتأمّل هذه المرافعة الشيطانية المتماسكة الأركان فهو يقول في مقدمة مرافعته للحيارى بتلبيسه وللسكارى بنفثه وللمفتونين بفنونه في الإغواء والإضلال في يوم الموقف العظيم؛ مقرّاً بألوهية خالقه فيسميه باسمه “الله” ولم يقل ربكم ..بل أقرّ له بالألوهية الكاملة وسمّاه بما سمّى به نفسكم ثم يمضى فيذكر أنّ وعد الله حقّ .. وهذا يقتضى أنّ الجنّة حقّ والنار حقّ .. ولم يكتف بذلك بل يصف نفسه (أي الشيطان) أنه وعد مشايعيه من الحيارى والسكارى فأخلفهم الوعد ..ولكنه يذكرهم بأنه ليس له سلطان عليهم بل دعاهم فاستجابوا له ..
كما دعوهم أصحاب الخير من قبل فلم يستجيبوا لهم .. أى أنّ الشيطان يريد أن يقول لهم: “بطريقتكم .. أنا ما ليش دعوة” .. ويمضى في التبروء من الحيارى السكارى .. ويمضي الشيطان في مرافعته وفي خاتمة المرافعة يقول حقيقة صارمة “للحيارى السُكارى” فيقول ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ “والإصراخ هو مثل الفزع الذي يفزعه شياطين الإنس الجنجويد عندما يهبّون لنجدة إخوانهم اللصوص” .. ثمّ يختم مرافعته بحقيقة صادمة “للحيارى السُكارى” فيقول لهم إنّي كفرت بما أشركتموني من قبل” فيتبرأ من شركهم .. فيالها من حسرة وندامة ..
وعندها تذهب الحيرة وتفكّ السكرة وتحضر الفكرة ولكن لات حين مناص .. too late
٥/ ومن الحجج الواهية التي يحتج بها الحيارى.. أنهم يقولون كما جاء في سورة سبأ:
” … يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ” الآية ٣١
يقول هؤلاء الحيارى لولا أنتم أيّها المستكبرون في الإقليم وفي المجتمع الدولي: لكنّا مؤمنين بقضيتنا شعبنا الإيمانية ندافع عنها ونجاهد فيها ونموت من أجلها .. الخ من الحجج الواهية .. فانظر ماذا يقول المستكبرون الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً:
“قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ” سبأ ٣٢
ينكرون تماماً أنهم صدّوهم عن سبيل الحقّ الذي وقف فيه ورقد شهيداً على حفافيه إخوان الصدق يدعونهم لاتباع الحق والصدع بما يؤمرون ولكنك لا تُسمع الموتى ولا يَسمع الصمُّ الدعاء: هيهات .. هيهات
ويستمرّ الحيارى .. السكارى في الشكوى والأنين ظنّاً منهم أنّ ذلك يخفّف عنهم يوماً واحداً من العذاب فيستمرون في جدال المستكبرين في الإقليم والمجتمع الدوليّ ويقدمون الحجة تلو الحجة فيقولون:
“وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ” سورة سبأ ٣٣
انظر لهذا البكاء والوجيب من الحيارى .. يقولون للمستكبرين من شياطين العرب والفرنجة : بل كنتم تمكرون بنا ليلاً ونهاراً وتأمروننا أن نكفر بالله ونجعلكم أنتم أنداداً نستعين بكم ..
وأسرّ الندامة كلا الفريقين من الحيارى المستضعفين ومن المستكبرين من دول الإقليم والمجتمع الدولي ولكن بعد إيه …
بعد ما طال الضلال الليلة جاي تعتذر ..
وترجّع أيامنا الزمان ..؟من وين نجيب ليك العذر
” فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ” سورة الروم الآية ٥٧
“وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ”
سورة الجاثية الآية ٣١
“وَقِيلَ ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ”
سورة الجاثية الآية ٣٤
“فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ” سورة غافر – الآية ٨٥
“وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ (٥١) وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ (٥٢) وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ (٥٣) وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ (٥٤)”
سورة سبأ
صدق مولانا العظيم الأكبر ..
ولا يُحزنك الحيارى بل ذرهم في حيرتهم يعمهون



