ثَمّة أشياء في هذه الحياة لا يؤلمنا وقوعها بقدر ما يؤلمنا أن تقع ثم تمضي، كأنها لم تقع.
مظلومٌ يُؤخذ حقّه، ثم يُطلب منه أن يكون أكثر تسامحًا. وقلبٌ يُكسر، ثم يُلام لأنه لم يتجاوز سريعًا. وإنسانٌ يُساء إليه، فيُقال له: «كبّر عقلك»، وكأن كِبَر العقل لا يكون إلا بأن يصغر حقّه في أعين الآخرين.
ولعلّ أعجب ما في أمر الحقوق أننا كثيرًا ما نتردد في المطالبة بما هو لنا، لا لأننا لا نعرف أنه حق، وإنما لأننا نُكثر من الالتفات إلى صورتنا في أعين الناس.
ماذا سيقولون؟ كيف سينظرون إليّ؟ ألن يصفوني بالقسوة؟ ألن يقولوا إنني لم أعفُ ولم أتجاوز؟
نقف طويلًا أمام هذه الأسئلة، حتى يكاد المرء ينسى السؤال الأهم: ماذا عن حقي أنا؟
والأغرب أننا، حين يُؤخذ حقنا، نبدأ بمحاكمة أنفسنا قبل أن نسأل الطرف الآخر عن فعله. نفتش عن الأعذار لمن ظلمنا، ونراجع نبرة أصواتنا، وكلماتنا، وردود أفعالنا، ونخشى أن نبدو سيئين لأننا طالبنا بما هو لنا.
لكن ثمة سؤالًا لا نلتفت إليه كثيرًا:
لماذا نخشى نحن أن نبدو سيئين أمام من لم يخشَ أن يكون سيئًا حين ظلمنا؟
كيف يحدث أن نقف قبل المطالبة بحقنا طويلًا أمام مرآة الناس، بينما لم يقف الذي أخذ حقنا لحظة واحدة أمام مرآتنا؟
ربما لأننا تربّينا على أن التنازل فضيلة في كل حال، وأن السكوت حكمة في كل موضع، وأن العفو هو الصورة الوحيدة للنبل. حتى اختلطت علينا المعاني، فلم نعد نفرّق بين إنسان يعفو لأنه قادر على العفو، وإنسان يتنازل لأنه خائف من أن يُدان إن طالب بحقه.
والحق أن العفو فضيلة، نعم؛ لكنه لا يكون فضيلة حين يُنتزع من صاحبه انتزاعًا، ولا حين يتحول إلى واجب اجتماعي يُفرض على المظلوم كي يبقى الظالم مرتاحًا.
وقد استوقفتني في حديثٍ لياسر الحزيمي، في بودكاست «فنجان»، فكرةٌ تتصل بهذا المعنى؛ إذ أشار إلى أن الإسلام ليس دين ضعف، وأن للإنسان أن يردّ الإساءة بمثلها ما دام لا يتجاوز حدّه. فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن يكون مستسلمًا للأذى، ولا أن يجعل من طيبته بابًا مفتوحًا للانتهاك.
ويقول الله تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
لكن القرآن، في الوقت ذاته، لا يكتفي بأن يفتح باب العدل، بل يفتح بابًا أرفع منه:
فالإسلام لا يجعل العدل خصمًا للفضل، ولا يجعل العفو مرادفًا للضعف.
قد يكون لك أن تردّ، فتختار أن تعفو.
وقد يكون لك أن تطالب بحقك، فتفعل ذلك دون أن تظلم.
وهنا يكمن الفرق.
فالضعيف قد يعفو لأنه لا يملك غير العفو، أما القادر فيعفو لأنه يملك القدرة ثم يختار التجاوز.
والعفو الذي يخرج من قلبٍ قادرٍ على الردّ شيء، والتنازل الذي يخرج من قلبٍ يرتجف أمام أحكام الناس شيء آخر.
فليس كل إمساكٍ للحق عفوًا، وليس كل تركٍ له إحسانًا.
أحيانًا يكون أكرم ما يفعله المرء أن يعفو، وأحيانًا يكون أعدل ما يفعله أن يقول، بهدوء لا خصومة فيه:
هذا حقي.
وفي ذات مساء، كنتُ وعمّتي منى نتجاذب أطراف الحديث وقوفًا في المطبخ، حتى انساق بنا الكلام إلى شأنٍ من شؤون الحياة، فذكرتْ جملةً مرّت في سمعي أول الأمر مرور العابر، ثم لبثت في نفسي حتى أخذتُ أقلبها على وجوهها:
«الحياة لا تستقيم دون آخرة.»
ولعلّها لم تكن تتحدث يومها عن فلسفة الحياة، لكن العبارة حملتني إلى سؤال أبعد من الكلام العابر.
ماذا لو كانت الدنيا هي آخر المطاف؟
ماذا عن ذلك المظلوم الذي مات ولم يرَ حقه؟
وماذا عن ذلك الذي أفسد حياة غيره، ثم مضى دون أن تطاله يد العدالة؟
وماذا عن الخير الذي فعله إنسان ولم يجد له في الدنيا جزاءً، والشر الذي ارتكبه آخر ولم يجد له فيها عقوبة؟
لو كانت الحياة تنتهي عند حدودها المرئية، لبقي في ميزان العدل نقصٌ لا يكتمل.
فثمّة مظالم لا تستطيع قوانين الأرض أن تستوفيها، وحقوق قد يمضي أصحابها قبل أن تعود إليهم، وقلوب تحمل من الأذى ما لا يراه أحد.
فهل يُعقل أن تكون هذه هي نهاية الحكاية؟
هنا تأتي الآخرة لا بوصفها مهربًا من الحياة، وإنما بوصفها تمام معناها.
فالإيمان بالآخرة لا يعني أن نُسقط حقوقنا، ولا أن نترك الظالم يتمادى بحجة أن الله سيحاسبه؛ بل يعني أن نعرف أن عدل الله لا تحدّه محاكم الدنيا، وأن ما عجزت الحياة عن إتمامه لا يعجز الله عنه.
قد يُغلق الناس ملفًا، ولا يُغلقه الله.
وقد ينسى الناس ظلمًا وقع، ولا ينساه الله.
وقد يمضي الظالم منتصرًا في أعين الخلق، دون أن يكون قد نجا من شيء.
فالآخرة هي الموعد الذي لا يضيع فيه حق، ولا تختلط فيه الحقيقة بالصور التي صنعناها لأنفسنا أمام الآخرين.
ولذلك ربما كان علينا أن نعيد النظر في علاقتنا بحقوقنا؛ فلا نأكل أنفسنا خوفًا من كلام الناس، ولا نحوّل التسامح إلى سوطٍ نجلد به المظلوم، ولا نجعل من التنازل شرطًا للحفاظ على صورتنا أمام الآخرين.
إن استطعت أن تعفو، فاعفُ؛ فالعفو شرف.
وإن احتجت أن تطالب بحقك، فطالب به دون أن تستحي من عدلك.
فليس مطلوبًا منك أن تكون مظلومًا كي تبدو طيبًا.
وربما كان أجمل ما في الإيمان بالآخرة أنه يحررنا من ذلك القلق الذي يجعلنا نريد أن نُسوّي كل شيء بأيدينا، وأن ننتزع الاعتراف من كل ظالم، وأن نُثبت لكل أحد أننا كنا أصحاب الحق.
يكفي أحيانًا أن تعرف أن الحق لا يحتاج إلى تصفيق الناس كي يكون حقًا، وأن الظلم لا يصير عدلًا لأن الناس اعتادوه، وأن بعض الحسابات التي نعجز عن إغلاقها في الدنيا، لها عند الله موعد لا يتقدم ولا يتأخر.
وفي النهاية، لعلّ أكثر ما يطمئن القلب في هذه الحياة أن يعرف أنها ليست النهاية؛ وأن ما انكسر هنا ليس بالضرورة آخر ما سيُقال فيه، وأن ما ضاع من أعين الناس لا يضيع من علم الله.
فليست كل معركةٍ تستحق أن نخوضها، وليس كل حقٍ نملكه واجبًا أن نأخذه، لكن الأهم ألا نخلط بين العفو والجبن، وبين العدل والقسوة، وبين التنازل والفضيلة.
فإذا عفونا، فليكن عفوًا نختاره ونحن قادرون.
وإذا طالبنا بحقوقنا، فليكن طلبًا لا يتجاوز العدل.
أما ما عجزت أيدينا عن إنصافه، فلنطمئن إلى أن في الوجود ميزانًا لا يميل، وعدلًا لا ينام.
فإذا ضاقت الدنيا عن إنصافنا، فثَمّة آخرة لا يضيق فيها العدل عن أحد.
ويبقى السؤال:
كم مرة تنازلنا عن حقٍّ لنا، لا لأننا عفونا، بل لأننا خفنا أن نبدو سيئين في أعين الآخرين؟