قبل أيام، التقى وفد من كبار الصحفيين في الخرطوم برئيس الوزراء السيد كامل إدريس، وكان أبرز ما خرجت به الأخبار من ذلك اللقاء الحديث عن الحوار السوداني–السوداني، بوصفه أحد أهم الملفات التي تعوّل عليها الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة. قال رئيس الوزراء إن حكومته تسعى إلى إجراء حوار سياسي شامل بحلول نهاية مايو المقبل، يسبق الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة، تخضع لرقابة دولية وإقليمية ومحلية. وأضاف أن الحوار لن يقتصر على النخب السياسية، بل ستشارك فيه كافة قطاعات الشعب السوداني، كما أوضح أن العملية السياسية يمكن أن تنطلق من الخرطوم أو من أي مدينة أخرى داخل البلاد. أما الهدف، بحسب إفاداته، فهو التوصل إلى توافقات واسعة حول التحديات التي تواجه البلاد، وفي مقدمتها التحديات الأمنية وآليات الحكم.
هذه الإفادات، في مجملها، تحمل قدرًا من التفاؤل، لأن أي دعوة لحوار بين السودانيين لا بد أن تجد الترحيب والدعم من مختلف قطاعات الشعب، بعد سنوات طويلة من الاستقطاب والصراع والانقسام. غير أن حسن النوايا وحده لا يكفي، فالبلاد لا تحتمل تكرار تجارب حوارات سابقة انتهت إلى بيانات جميلة دون أثر حقيقي على الأرض. ولذلك فإن المطلوب هذه المرة ليس مجرد الدعوة إلى الحوار، وإنما خارطة طريق واضحة تقود إلى نتائج عملية، وتجيب منذ البداية عن الأسئلة الجوهرية التي تحدد مصير هذا المسار.
2
وأول هذه الأسئلة يتعلق بمن يضع أجندة الحوار. فمن غير المعقول أن تدعو الحكومة إلى حوار وطني شامل، ثم تتولى مجموعة محدودة من الموظفين الحكوميين تحديد قضاياه ومساراته. ذلك ينسف الثقة منذ البداية، ويحوّل الحوار إلى مجرد منصة رسمية مغلقة. الأفضل والأجدى أن يُعهد بهذه المهمة إلى مجموعة من الحكماء والخبراء والشخصيات الوطنية المشهود لها بالكفاءة والاستقلال، تمثل مختلف التخصصات والمناطق والقطاعات الاجتماعية، حتى يشعر الناس أن ما سيُناقش هو بالفعل قضاياهم الحقيقية، لا ما تراه السلطة مناسبًا.
3
أما السؤال الثاني، فيتعلق بطبيعة الأجندة نفسها. ولست هنا بصدد اقتراح قائمة تفصيلية، لكن من المهم التنبيه إلى أن أجندة هذا الحوار يجب أن تظل محصورة في قضايا الفترة الانتقالية، وألا تتجاوزها إلى ملفات كبرى تحتاج إلى تفويض شعبي كامل. ذلك أن المشاركين في هذا الحوار، مهما كانت مكانتهم، لا يستطيع أحد الادعاء بأنهم يمثلون كل السودانيين تمثيلًا نهائيًا. ولهذا فإن قضايا مثل الدستور الدائم، والهوية الوطنية، وشكل نظام الحكم، والعلاقات المركزية بين الأقاليم، يجب أن تُترك لمؤسسات منتخبة يختارها الشعب بحرية.
4
أما ما ينبغي أن ينشغل به الحوار الآن فهو أكثر إلحاحًا وأشد استعجالًا: كيف تُنهى الحرب؟ كيف تُدار الفترة الانتقالية؟ كيف تُعاد مؤسسات الدولة إلى العمل؟ كيف تُهيأ الأجواء لعودة النازحين واللاجئين؟ وكيف تُقام انتخابات حرة ونزيهة في نهاية هذه المرحلة؟ وإذا لم يخرج الحوار بجدول زمني واضح ومحدد للانتخابات، فإن الخشية أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى حالة مفتوحة بلا نهاية.
5
ويأتي السؤال الثالث: ماذا سنفعل بنتائج هذا الحوار؟ فهذا هو الامتحان الحقيقي لأي عملية سياسية. إذ لا معنى لمخرجات ممتازة تُحفظ في الأدراج أو تتحول إلى خطابات للاستهلاك الإعلامي. المطلوب منذ الآن الاتفاق على آلية تنفيذ واضحة، تبدأ بتشكيل حكومة وطنية مستقلة، قادرة على إدارة البلاد بنزاهة، وتنفيذ ما يُتفق عليه، وتهيئة الطريق نحو الانتخابات. فإذا نجحت حكومة السيد كامل إدريس في قيادة البلاد إلى هذا الأفق، فإن ذلك سيكون إنجازها التاريخي الذي سيذكره الناس لها، خصوصًا في ظل هذه التعقيدات الهائلة التي تحيط بالسودان.
6
من الواجب كذلك أن تراجع القوى السياسية نفسها في هذه اللحظة. فالوقت ليس وقت صراع على نسب التمثيل، ولا وقت حسابات المناصب والمكاسب العاجلة. السودان اليوم أكبر من الجميع، وأزمته أعمق من أن تُختزل في حصة هذا الحزب أو ذاك التيار. المطلوب أن تتقدم القوى السياسية إلى هذا الحوار بأقصى درجات الجدية، وأن تطرح أفكارها بصدق ومسؤولية، وأن تتنازل قليلًا لصالح الوطن، حتى نصل إلى نتائج تعبر عن غالبية السودانيين لا عن رغبات النخب المتصارعة.
7
ومن الأخبار التي تبعث على الأمل أن بعض أطياف المعارضة المدنية بدأت بالفعل في العودة إلى السودان للمشاركة في هذا المسار، وهو تطور إيجابي يستحق الترحيب، لأن الحوار الحقيقي لا يكون إلا بحضور المختلفين، لا المتفقين فقط. كما أن من الضروري أن تخفت أصوات التطرف التي تريد تفصيل كل شيء على مقاسها الضيق، ولا ترى في الوطن إلا مرآة لمصالحها الخاصة.
8
ويبقى عنصر لا غنى عنه لنجاح أي حوار، وهو بناء الثقة. وهذه لا تُنال بالشعارات، وإنما بآليات واضحة للشفافية والحياد. يجب أن يكون الإعلام متوازنًا، وأن تُوثق جلسات الحوار وتُنشر نتائجها بوضوح، وأن تُشكّل سكرتارية محايدة تدير العملية بعيدًا عن النفوذ السياسي، حتى يطمئن السودانيون إلى أن ما يجري أمامهم حوار جاد، لا مسرحية جديدة.
9
إن السودان اليوم أمام فرصة نادرة، وربما أخيرة، لينتقل من منطق الحرب إلى منطق السياسة، ومن الصراع إلى التوافق، ومن الانسداد إلى الأفق المفتوح. فإذا أُحسن إعداد هذا الحوار، وصدق المشاركون فيه، فقد يكون بداية الخروج من النفق. أما إذا تحول إلى تكرار لتجارب الماضي، فلن يكون سوى موعد جديد مع خيبة قديمة ليس لنا ترف دفع ثمنها الان.