تقارير

الحكومة تقر بوجود 55 نقطة تحصيل عشوائية.. وإجراءات عاجزة عن ضبط الظاهرة

المواطنون ضحايا استمرار انفلات الجبايات غير القانونية

الخرطوم : حفية نورالدائم

على امتداد الطرق القومية في السودان، لم تعد الرحلات تُقاس بعدد الكيلومترات فقط، بل بعدد نقاط التحصيل التي تعترض طريق الشاحنات والمركبات. في كل محطة، تُفرض رسوم جديدة، غالباً دون وضوح في الجهة أو مقابل الخدمة، لتتحول الرحلة التجارية إلى سلسلة من المدفوعات المفتوحة.

يقول أحد السائقين: “ندفع في كل نقطة… ولا نعرف مقابل ماذا”. عبارة تختصر واقعاً معقداً لم يعد مجرد شكوى عابرة، بل أزمة اقتصادية متجذرة تنعكس آثارها على الأسواق والأسعار ومعيشة المواطنين.

ورغم وجود قوانين تنظم فرض الرسوم، إلا أن الواقع يكشف عن انتشار واسع لما يُعرف بـ“التحصيل غير القانوني”، خاصة على الطرق القومية والمعابر، حيث تتعدد الجهات وتتشابك الصلاحيات، في بيئة تفتقر إلى الضبط والرقابة.

شهادات من الطريق

 نزيف يومي مستمر

في قلب هذه الأزمة، تقف شهادات السائقين والتجار دليلاً حياً على حجم المعاناة.

يقول أحمد عبدالكريم ، “سائق شاحنة” ينقل البضائع بين ولايات السودان:

“في بعض الرحلات نتوقف أكثر من عشر مرات. في كل مرة تُفرض رسوم مختلفة، وأحياناً دون إيصال. في النهاية، تُضاف التكلفة إلى البضاعة ويتحملها المواطن”.

أما محمد الطيب ، تاجر مواد غذائية بسوق امدرمان ، فيشير إلى أن تعدد الرسوم بات يهدد استمرارية النشاط التجاري:

“ندفع في المعبر، وفي الطريق، وداخل الولاية. أحياناً يُفرض الرسم نفسه أكثر من مرة تحت مسميات مختلفة. لا يوجد استقرار ولا وضوح”.

و تروي سعاد سليمان ، وهي  احد  العائدين عبر أحد المعابر الحدودية:

“بقينا أياماً ننتظر بسبب الإجراءات والرسوم. كان بيننا كبار في السن وأطفال، والوضع كان صعباً، مع غياب التنظيم الواضح”.

تعكس هذه الشهادات أبعاداً إنسانية تتجاوز الأرقام، لتكشف عن معاناة يومية مستمرة

إصلاحات حكومية… وتحديات ميدانية

في محاولة لمعالجة هذه الاختلالات، عقدت اللجنة الاقتصادية العليا برئاسة د. كامل إدريس اجتماعاً ناقشت خلاله قضايا الصادر والوارد، وإدارة الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها الذهب، إلى جانب سياسات إحلال الواردات وتعزيز الصادرات الزراعية والحيوانية.

ووجّه الاجتماع بتشكيل فريق عمل برئاسة وزير المالية لوضع مصفوفة تنفيذية محددة بزمن، تهدف إلى ضبط التجارة الخارجية وتحسين كفاءة الأداء الاقتصادي.

كما شدد الاجتماع على ضرورة تنويع الصادرات، ورفع قيمتها المضافة، وفتح أسواق جديدة، إلى جانب ترشيد الواردات من السلع غير الضرورية لتحقيق التوازن في الميزان التجاري.

غير أن هذه التوجهات، رغم أهميتها، تصطدم بواقع ميداني معقد، حيث تستمر فوضى الرسوم في إرباك حركة التجارة.

 نقطة جباية خارج القانون… مؤشر مقلق

كشف تقرير لجنة منع التحصيل غير القانوني عن إزالة 55 نقطة جباية في ولايات الشرق والشمال، كانت تفرض رسوماً دون سند قانوني، خاصة على الطرق القومية.

ولا تمثل هذه النقاط سوى جزء من المشكلة، إذ تشير التقديرات إلى أن الظاهرة أوسع من ذلك، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول حجمها الحقيقي وتكلفتها على الاقتصاد الوطني.

الجبايات… ضريبة خفية تثقل كاهل المواطن

لا تتوقف آثار هذه الرسوم عند السائق أو التاجر، بل تمتد مباشرة إلى المستهلك.

فكل رسم يُفرض على الطريق يُضاف إلى تكلفة النقل، ثم يُرحّل إلى سعر السلعة، ما يجعل الجبايات غير القانونية بمثابة “ضريبة خفية” ترفع الأسعار تدريجياً وتضعف القدرة الشرائية.

كما تؤثر هذه الرسوم سلباً على تنافسية الصادرات السودانية، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل مقارنة بدول الجوار

تعدد الجهات… جوهر الأزمة

يرى خبراء أن جوهر المشكلة يكمن في تعدد الجهات التي تفرض الرسوم، ما يؤدي إلى تضارب الصلاحيات ويفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس اتحاد أصحاب العمل، معاوية البرير، أن هذا التعدد خلق بيئة خصبة للفساد، مشيراً إلى أن بعض الرسوم تُفرض دون إيصالات، وتُكرر في أكثر من ولاية.

ويضيف أن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص ما زالت تُدار بعقلية “ادفع واسكت”، وهو نهج يضعف الثقة ويقوّض بيئة الاستثمار.

فجوة قانونية

وقال المستشار القانوني محمد إبراهيم

“أي رسوم تُفرض يجب أن تستند إلى قانون صادر عن السلطة التشريعية، مع تحديد الغرض وطريقة التحصيل، وأن تُسجل في الميزانية العامة. أي مبلغ يُحصّل دون سند قانوني أو مقابل خدمة حقيقية يُعد غير قانوني ويمكن الطعن عليه أمام المحاكم الإدارية.”

ويضيف:

“فرض رسوم متعددة دون سند قانوني يضعف حقوق القطاع الخاص، ويخالف اتفاقيات الاستثمار المحلية والدولية. إنشاء آلية رقابية مستقلة يضمن استخدام الأموال في تحسين الخدمات العامة ويعزز الثقة بين الدولة والمستثمرين.”

الضرائب: ضرورة اقتصادية وتحديات تطبيق

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي د. عادل عبدالعزيز أن الضرائب تمثل مورداً أساسياً للدولة، وتسهم في تمويل الخدمات العامة.

لكنه يؤكد أن المشكلة ليست في فرض الضرائب، بل في توقيتها وآلية تطبيقها، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية.

ويشير إلى أن فرض رسوم على فئات مثل العائدين قد يؤدي إلى نتائج عكسية، داعياً إلى مراعاة البعد الإنساني في السياسات المالية.

اختلالات هيكلية في النظام الضريبي

يرى الخبير الاقتصادي د. محمد الناير أن الأزمة تتجاوز تعدد الرسوم إلى خلل في بنية النظام الضريبي.

ويشير إلى ارتفاع ضريبة القيمة المضافة ووجود ازدواج ضريبي في بعض السلع، ما أدى إلى تشوهات في السوق .

واقترح الناير خفض ضريبة القيمة المضافة

تطبيق نظام إلكتروني للتحصيل

إنشاء جهاز قومي موحد للإيرادات

ويرى أن هذه الإجراءات يمكن أن تعزز الشفافية وترفع كفاءة التحصيل.

أزمة إنسانية عند المعابر

امتدت آثار الرسوم إلى الجانب الإنساني، خاصة في المعابر الحدودية، حيث أدت بعض الإجراءات إلى:

إضراب سائقي البصات

وتكدس العائدين

وتدهور الظروف المعيشية المؤقتة

ويرى مراقبون أن هذه الأوضاع تعكس ضعف التنسيق بين الجهات، وتؤكد الحاجة إلى سياسات أكثر مرونة وعدالة.

؟فجوة بين النص والتطبيق

رغم وضوح القوانين، إلا أن الواقع يكشف عن فجوة كبيرة في التطبيق، تتمثل في:

فرض رسوم دون سند قانوني وغياب الإيصالات الرسمية

 ضعف الرقابة

ما يجعل مراجعة التشريعات وتفعيل آليات الرقابة ضرورة ملحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى