

د.عبد اللطيف البوني يكتب:
(1)
لقد حبى الله السودان بعروتين زراعيتين ..صيفية وشتوية …من حيث الكم الصيفية هي الأكبر مساحة لأن اعتمادها الأساسي على الأمطار …وقد تصل المساحة المزروعة فيها إلى ستين مليون فدان ..ومع تذبذب الأمطار قد تنخفض إلى خمسة وعشرين مليون فدان ..هذا بالإضافة إلى المشاريع المروية الخمسة والتي أكبرها مشروع الجزيرة والذي تفوق مساحته ..مساحة الأربعة الاخريات مجتمعة …الزراعة المطرية تنقسم إلى قسمين …قسم طالته بعض يد الحداثة إذ دخلته الآلة الحديثة في عملية تحضير الأرض والزراعة ثم الحصاد ..أما الغالب في الزراعة المطرية فما زال تقليدياً لم تطاله يد الحداثة بعد.. وهو الأكبر وهو ضعيف إلانتاجية ..كبر المساحة غطى على ضعف الإنتاجية …قديماً قالو الكثرة غلبت الشجاعة …صادرات السودان تعتمد بصورة أساسية على القطاع المطري …هذا بعد انسحاب القطن من صدارة قائمة الصادرات …بالمناسبة القطاع المطري الحديث قد شهد توسعاً ملحوظاً في زراعة القطن المحور …والمعلوم إن معظم القطن العالمي قطن مطري محوّر …القطاع المطري في السودان ينتج محاصيل الصادر من ذرة رفيعة وسمسم ودخن وفول سوداني …وكذلك ينتج حيوانات التصدير من أبقار وأغنام وجمال …أما الثروة الغابية فيكفي أنه على رأسها الصمغ …وبالطبع الثروة الغابية تتبع للمطري ..
أما العروة الشتوية فهي تلك التي تزرع منتجاتها في المشاريع المروية وعلى ضفاف الأنهار …وكل ما يسمى بالري الصناعي …هناك مساحات مقدّرة تزرع بالمياه الجوفية… العروة الشتوية مساحتها قليلة لقلة المشاريع المروية وتقدر بثلاثة ملايين فدان في كل السودان .. ولكن إنتاجيتها الرأسية عالية لأنها لا تخضع لذبذبات الري وتعتبر كلها في القطاع الحديث ..أهم منتجاتها القمح والعدسية والفول المصري والكبكبي والكسبرة …تكتب احيانا الكزبرة …
هناك تداخل بين العروتين الصيفية والشتوية في المشاريع المروية فمثلا القطن والفول السوداني والعدسية كلها تزرع في بداية العروة الصيفية وتحصد مع العروة الشتوية …تطوّر التقانات الزراعية جعل شجرة مثل شجرة القطن تصل دورتها حياتها الي أربعة سنوات …وكذلك البرسيم …وربما تكون هناك بعض انواع الذرة الرفيعة كذلك ..
(2)
هذة المقدمة طالت رغماً عني ..ولعل السبب أن الحديث عن الزراعة في السودان ذو شجون ..وهذا إن دل إنما يدل على ثراء السودان الزراعي ……فالسودان رغم أنه في معظمه قطر قاري أي ليس له سواحل بحرية كأمريكا مثلا إلا أن المولى حباه بأمطار تقدر بأربعمائة مليار متر مكعب …هذا بعد انفصال الجنوب …فلو استخدمنا تقانات حصاد المياه بأقل نسبة سوف يتحول السودان كله إلى بستان أخضر وترتفع الأمطار فيه إلى الضعف ولتحول مناخ مصر إلى سافنا بدلاً من الصحراوي ..ولانتهت مشاكل السدود في حوض النيل …
دعوني أقفز الآن لكي أختم ..فقد كانت نيتي اليوم أن أتكلم عن الطريقة المثلى لوداع العروة الصيفية التي حُسم أمرها الآن تقريباً ونحن في انتظار الحصاد ..أي كالطالب الذي أنهى عامه الدراسي وهو في انتظار الامتحان لكي يعرف نتيجة تحصيله …كنت أود أن أقترح شوية علوق شدة للامتحان ..وفي نفس الوقت كنت أود الكتابة عن الكيفية المثلى لاستقبال العروة الشتوية …نعم الشتاء لم يبدأ بعد فالرياح الجنوبية مازالت هي الهابة حتى اليوم وسوف تستمر إلى نهاية هذا الشهر ..ولكن الاستعداد للموسم الشتوي يبدأ الان ..فهذه أيام تحضير الأرض حتى لا تسقط بذرة الحشائش على الأرض فتعيق مزروعات الشتاء بعبارة أخرى إن العروة الشتوية من ناحية زراعية قد بدأت الآن …لا أدري إن كانت الدولة يقظة لذلك أم مازالت نائمة …ظرفنا الحالي يجعلنا نحسن وداع العروة الصيفية وذلك بحصدها حصاداً يسبقه علوق شدة ونستقبل العروة الشتوية استقبالاً مبكر منذ الآن لا بل منذ الأمس.