عزف منفرد أتاحت الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، وما فرضته من هجرة واغتراب، لعدد من النساء السودانيات فرصاً غير مألوفة لاختبار قدراتهن ومواهبهن في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار والفنون. وبينما دفعت الحرب كثيرات إلى مغادرة البلاد والبحث عن سبل جديدة للعيش، استطاعت بعضهن تحويل المحنة إلى مساحة للعمل والإنتاج، وفتح أبواب مهنية ظلت بعيدة عن تجاربهن السابقة. ومن بين هذه المجالات، تبرز صناعة الثوب السوداني وتسويقه، إلى جانب صناعة العطور، بوصفهما نموذجين لافتين لاستثمار الذوق والمهارة في بناء مشروعات تتصل بالهوية والتراث. لم يعد الثوب السوداني مجرد قطعة من القماش تستقر على أكتاف النساء في المناسبات، أو زياً تتغنى به الحناجر وتحتفي بجماله الأغنيات. لقد تجاوز، في فضاءات الاغتراب، حدود ارتدائه إلى صناعة تتشكل ملامحها تدريجياً، وتنهض على الإنتاج والتصميم والتسويق ومواكبة أذواق المستهلكات. ومع اتساع الطلب عليه، تحولت حياكته وتوفير خاماته وتطوير أشكاله إلى مهنة احترافية تتيح فرصاً للعمل والاستثمار، وتفتح أمام النساء أبواباً للاستقلال الاقتصادي. ولعل اللافت في هذه التجربة أن الثوب وجد في الغربة حواضن جديدة للاحتفاء به، وأسواقاً تتجاوز حدود الجاليات السودانية، مستفيداً من حضور المرأة السودانية وتمسكها بزيها التقليدي. وأسهمت الفنانات السودانيات، من خلال ظهورهن المتكرر بالثوب في الحفلات والمناسبات الفنية خارج البلاد، في تقديم دعاية واسعة له، وجعله جزءاً من المشهد البصري الذي يرافق الأغنية السودانية ويعرّف بخصوصيتها الثقافية. غير أن الحكاية لا تقف عند حدود الحنين إلى الوطن أو التمسك بالموروث. فالتنافس بين العاملات في هذا المجال يدفع نحو تحسين الخامات، وتجويد الصناعة، والابتكار في الألوان والتصاميم وطرق العرض. وهنا تتقدم صناعة الموضة السودانية، ولو بخطوات متفرقة، لتمنح الثوب إمكانات جديدة في التشكيل والتجديد، من دون أن يفقد ملامحه التي جعلته علامة مميزة في الذاكرة والوجدان. وهذا التحول يستحق الانتباه؛ لأنه يكشف عن طاقات نسائية لا تظهر دائماً في الإحصاءات، لكنها تصنع أثراً اقتصادياً وثقافياً ملموساً. كما يطرح سؤالاً عن إمكانية الانتقال بهذه المبادرات الفردية إلى صناعة منظمة، تستفيد من الخبرات المتراكمة، وتدعم المصممات والمنتجات، وتفتح أسواقاً أوسع أمام الثوب السوداني. فالثوب الذي تغنت به الأغنيات، واحتفى به فنانون كبار مثل محمد وردي وأبو عركي البخيت، يواصل اليوم رحلته بصورة مختلفة، محمولاً على أكتاف نساء وجدن في الغربة فرصة لتجديد علاقتهن به، وتحويله من رمز للهوية إلى مصدر للرزق والإبداع. ويبقى السؤال كلما تأملنا هذا الجمال المتجدد: بالمناسبة، التوب ده سوداني ولا موريتاني؟!