التنوع الثقافي كغبن سياسي: السماسرة يمتنعون

عبد الله علي إبراهيم
كنت عرفت التنوع في كتابي “الثقافة والديمقراطية” (1996، 2015؟) (قيد النشر لطبعة ثالثة) كحس بالغبن الثقافي مستبعداً المفهوم السائد عن التنوع كوفرة في المفردات الثقافية لأمرين: أولهما أن طائفة غالبة من السودانيين تحس بأن مفرداتها الثقافية الوفيرة قد جرى تخريدها (أي جعلها كمّاً مهملاً) خلال اشتداد قبضة المركزية الثقافية مما يجعل وعيها بالتنوع رديفاً للوعي بالغبن. وثاني هذه الأمور أن وفرة المفردات غالباً ما أفزعت جمهرة واسعة من دعاة الوحدة الوطنية وجعلتهم يخشون على قوام تلك الوحدة إذا أخذنا في اعتبارنا شتات المفردات السودانية بصفة جدية. فتروعهم كثرتها فيلوذون بقبضة الثقافة العربية الإسلامية الغالبة خشية تفرق السودانيين أشتاتاً كل في ثقافته. وكان الهدف من تعريف التباين، كغبن ثقافي، تحسين وعينا بعنصر القوة الذي يتحكم في التعبير الثقافي الوطني، ويولد المركزية الثقافية، فيغبن الناس الذين هم في الهامش الثقافي. وليس المطلب من هذه الدعوة هو التأليب وإطلاق مشاعر البغضاء بين الثقافات السودانية، مما يوقع القطيعة بين مفرداتها بالضغائن أو الكرنتينات. فالثقافات السودانية لا مندوحة لها من التفاعل في شروط نعمل لكي تقوم على الندية وحسن التفاهم.
وجئت في الكتاب بأنواع من استثمار الدوائر اليسارية والحداثية في هذا الغبن في معارضتها لنظام الإنقاذ الإسلاموعربي خاصة منذ استدبرت وهناً حقول ممارستها بين الجماهير في الخمسينات والستينات. وكانت زعمت استحالة هذه الممارسة في دولة الإنقاذ التي يقوم عليها طاقم يعرف من أين تؤكل كتف النقابات والاتحادات. واسلمت نفسها ومشروعها لبندقية الهامش من يدها هذه ليدها تلك. واشتهرت بصناعة “النقابات الشرعية” في بلاد تركب الأفيال. وتفرغت للدس الثقافي بين الاقوام السودانية فيما اسميه “متوالية الكنابي”. وأنشر هنا واقعة استثمرت فيه هذه الجماعة الخاملة واقعة حكم شرعي في 1973 قضى بمنع زواج فتاة بمن تقدم لها لأن في أصله “عرق”. وكان المرحوم الباقر العفيف ممن أذاع ذلك الحكم للطعن في الشريعة. وسيرى القارئ أنه قد أخذ بما اتفق له من الحكم لغرضه في الدس على الشريعة وأسقط حكماً لمحكمة عليا نقضت قرار المحكمة الصغرى بخاطر شرعي جريء مما هو سابقة قضائية للقادم.
وهذا ما جاء في فصل الكتاب:
مما يلوّث مناخات تفاعل الثقافات السودانية هو تحول اليساريين والليبراليين عن مآخذهم المشروعة على هيمنة الثقافة العربية الإسلامية، وخرقها قواعد لعبة التنوع الثقافي، إلى استثمار هذه المآخذ للتحالف “سياسياً” مع الثقافات غير العربية الإسلامية ضد الأخيرة. وبدلاً عن أن تُشخِّص تلك الفرق الناقمة القوى الاجتماعية التي تبشر بالهيمنة وتخرق مبادئ التنوع ومقتضياته في واقع السودان المخصوص، فضلت هذه الفرق، ليأسها، أن تصم الثقافة العربية الإسلامية، كنظام رمزي، بالفشل الفطري في مساكنة ومفاعلة الثقافات الأخرى. وقد سميت هذه الفرق بـ (الخلعاء) في موضع آخر لأنها تعتقد أن لا سبيل إلى صلح ثقافي في السودان إلا بأن يخلع العرب المسلمون في السودان مداراتهم الثقافية التاريخية التي تنزع فطرياً للغلبة والسيادة ولا ترضى بدونهما. وقد استخدمت هذه الفرق مسألة الرق مادة لإفحام حملة الثقافة العربية الإسلامية بوصف الرق إحدى “الشبهات”، في عبارة لمحمد قطب، الأصيلة التي تحوم حول الإسلام والعرب. وعموماً فإن هذه الفرق اليسارية والليبرالية السودانية، المحاصرة لعقدين أو أكثر، بالنسخة الأصولية الإسلامية تجد في غبن الثقافات السودانية الأخرى برهاناً على سداد التنوع، ومادة للاستثمار السياسي والتحالفات. غير أن مثل هذه الأداء الثقافي والسياسي القاصر يبتذل الغبائن الثقافية ويحولها إلى ضغائن دارجة تستطيل سدّاً في وجه تفاعل الثقافات السودانية.
وقد استمعت إلى ممثلين لهذه الفرق في منابر فكرية عديدة يروجون عن التشريع الإسلامي أنه يؤيد نظام الرق ويشيرون إلى حكم أصدرته محكمة الخرطوم بحري الشرعية في 1973 حجبت فيه زواج فتى من فتاة لاعتراض والد الفتاة على الفتى بعدم الكفاءة لأن في أصله “عرق” أي رق. وقد ساءني جداً اكتفاء هذه الجماعة بـ (لا تقربوا الصلاة) القرآنية التي هي مضرب المثل في الدس وعدم الأمانة. فلدى استئناف الفتى والفتاة لمحكمة المديرية الشرعية نسخت الأخيرة حكم المحكمة الصغرى، وحكمت بزواج الفتى من الفتاة بمهر مكافئ لمن هي في منزلتها. وحين استأنف الأب للمحكمة العليا الشرعية قررت تلك المحكمة أن بناء الكفاءة على أقوال تتردد عن أصل الفتى لا يؤخذ بها. وذكرت أن الإمام مالك يعتبر الكفاءة في الدين لا أكثر ويتفق معه الحنفية في ذلك. في حين يرى ابن حنبل والشافعي ضرورة تلاقي الزوج والزوجة في النسب والعمل والحرية والخلو من العاهات.
ومضى حكم المحكمة الشرعية يقول إن المدرسة الحنفية مع ذلك تقر بستة عناصر للكفاء واحد منها الخلو من الاسترقاق. وقد خالف ابن يوسف، تلميذ الإمام مالك، الحنفية في موقفهم هذا لأن اشتهار العبد بالمعرفة أو الورع يجعله على منزلة قياساً بشرف النسب والمال. وخلصت المحكمة في قرارها إلى هذا الحكم الذي هو آية في الحساسية إلى تغيّر الزمان وجدله. فقالت ولأنه لم يتفق لأئمة المسلمين إجماع على هذه المسألة فإن مرجع الحكم هو للزمان والظروف المحيطة. فالله يفضل الزواج على العزوبية التي تدعو إلى الشهوات في مقابل العلاقات الشرعية بين الرجل والمرأة. وهذه الفتاة موضوع القضية تطلب أن تقترن شرعياً بعقد زواج. إن الإسلام مع المساواة بين الناس، فالناس سواسية كأسنان المشط كما قال، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. إن الخطيب موضوع القضية يحمل شهادة جامعية وهي تجعله أهلاً للبنت، حتى لو كان رقيقاً، وهو ما لم يثبت، وعلاوة على أن الرق في السودان كان تجارة وهذا ما لا يتفق مع مفهوم الإسلام للرق. إن الناس في السودان أحرار بالمعنى الدقيق لمراد الإسلام لأن الرق الذي كان سائداً في السودان قائم على السرقة والخطف الذي كان من فعل التجار غير المسلمين 13.
وبغض النظر عن رأيك في مصطلح هذا الحكم، أو في دقائق الوقائع فيه، فهو حكم جمع أفضل النظرات تالدها (حديث النبي الكريم عن المساواة) وطارفها (الدفع التقليدي لشبهة الرق عن مسلمي السودان في القرن التاسع عشر) ليزيل واحدة من “السدود” الثقافية في السودان التي أساءت إلى العواطف ورسّبت الضغائن. ومثل هذا الحكم قمين بأن يذاع ويدرس، ويروّج كمأثرة للتشريع الإسلامي في السودان. وهو حكم لا يقل خطره من زاوية تحريره العلاقات الاجتماعية في السودان من أشباح الماضي عن حكم المحكمة العليا الأمريكية بشأن التعليم المختلط بين السود والبيض. ولكن الخلعاء يأخذون من آية هذا القرار التاريخي أولها لأن الذي يعنيهم استثمار الغبن الثقافي للجماعات غير العربية أو المسلمة حتى حين تسفر الثقافة العربية الإسلامية عن أذهان وقورة شجاعة كتلك التي كانت وراء الحكم الذي أتينا على تفاصيله آنفاً.



