التمويل الأصغر في السودان: تشخيص الأزمة قبل وصفة العلاج (1)

نعمان يوسف محمد

ظل التمويل الأصغر في السودان أحد الأدوات المهمة لتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي والوصول إلى الشرائح التي لا تصل إليها الخدمات المصرفية التقليدية بسهولة. وأسهم خلال سنوات طويلة في تمويل صغار المنتجين وأصحاب المشروعات والحرف والخدمات والأنشطة الزراعية والحيوانية.

لكن اتساع القطاع لا يعني بالضرورة سلامة بنيته. فقد تطور القطاع عبر مؤسسات وشركات وبرامج متعددة، متفاوتة في قدراتها المالية والمؤسسية والتقنية، بينما ظلت قضايا التمويل طويل الأجل، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والبيانات، وبناء القدرات تحديات قائمة بدرجات مختلفة. ثم جاءت الحرب لتضع القطاع أمام اختبار استثنائي.

الحرب كشفت هشاشة المنظومة:

لم تقتصر آثار الحرب على توقف بعض الفروع أو فقدان الأصول. فقد تعرضت مؤسسات لخسائر مباشرة، وتعطلت أنظمة وبيانات، وانتقل العملاء من مناطقهم، وتوقفت أو انكمشت أنشطة اقتصادية قامت عليها محافظ التمويل. وبالتالي أصبحت المشكلة أوسع من انخفاض التمويل الجديد.

إنها مشكلة استمرارية مؤسسات، وجودة محافظ، وموارد، وبيانات، وقدرات بشرية وتقنية، وثقة في قدرة القطاع على التعافي. وهنا يجب أن ننتبه إلى أمر مهم. وهو أن الحرب لم تبدأ أزمة التمويل الأصغر، لكنها عمقت أوجه الضعف الموجودة وكشفت الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة عمل المنظومة كلها.

رأس المال.. شرط ضروري وليس حلاً كاملاً:

من الطبيعي أن تضع الجهة الرقابية متطلبات تتعلق بكفاية رأس المال والحوكمة وإدارة المخاطر. فالمؤسسة الضعيفة ماليا أو إداريا لا يمكن أن تكون قناة آمنة لأموال المودعين أو الممولين. لكن رأس المال، مهما بلغت أهميته، ليس هو كل موارد مؤسسة التمويل الأصغر. فالمؤسسة في جوهرها وسيط مالي يحتاج إلى موارد تمكنه من بناء محفظة وتمويل العملاء وإعادة تدوير الأموال.

وهنا تظهر المعادلة التي يجب ألا نغفلها. وهي أن رأس المال شرط للاستمرار، والحوكمة شرط للثقة، والموارد شرط للتشغيل. ومن ثم فإن معالجة رأس المال والحوكمة، دون معالجة الوصول إلى الموارد، قد تنتج مؤسسات مستوفية للشروط لكنها عاجزة عن أداء وظيفتها.

مؤسسات ليست في وضع واحد:

لا ينبغي النظر إلى جميع مؤسسات التمويل الأصغر باعتبارها حالة واحدة. فهناك مؤسسة تحتاج إلى زيادة رأس المال. وأخرى تحتاج إلى إعادة هيكلة. وثالثة تحتاج إلى تحسين الحوكمة والإدارة والمخاطر. ورابعة قد تكون مستوفية للشروط، لكنها عاجزة عن الوصول إلى الموارد. كما هناك مؤسسات قد لا تكون قابلة للاستمرار، ويكون الاندماج أو الخروج المنظم هو الخيار الأفضل لها.

لذلك فإن الخطوة المهنية الأولى هي التصنيف الموضوعي للمؤسسات، بدلاً من التعامل معها بسياسة واحدة. والهدف ليس إنقاذ كل مؤسسة بأي ثمن، وإنما الحفاظ على المؤسسات القابلة للحياة وعلى وظيفة التمويل الأصغر في الاقتصاد.

التعثر ليس حالة واحدة:

من أهم القضايا التي تحتاج إلى معالجة مهنية، التمييز بين التعثر الناتج عن ضعف الإدارة والائتمان، والتعثر الذي فرضته ظروف الحرب. فالتعثر الناتج عن سوء دراسة التمويل أو ضعف المتابعة والتحصيل يجب أن يخضع للمعالجة الرقابية والائتمانية المناسبة.

لكن هناك تعثر سببه توقف النشاط، ونزوح العملاء، وفقدان الأصول، وتعطل الأسواق وسلاسل القيمة، وتضرر المشروعات أو فقدان البيانات.  ولا يصح بالضرورة أن تعالج الحالتان بالأداة نفسها. فالاعتراف بأثر الحرب لا يعني إسقاط الانضباط الائتماني، كما أن تطبيق قواعد التعثر بصورة جامدة لا ينبغي أن يحول دون إنقاذ مؤسسة سليمة في جوهرها وقابلة للتعافي.

المصارف جزء من الحل:

لا تستطيع مؤسسات التمويل الأصغر إعادة بناء نشاطها بمعزل عن النظام المصرفي. فالمصارف تمثل أحد المصادر المهمة للموارد التي تحتاجها هذه المؤسسات، لكنها في المقابل مطالبة بإدارة مخاطرها والالتزام بضوابطها الائتمانية.

وهنا تنشأ معضلة حقيقية. تتمثل في أن المؤسسة تحتاج إلى موارد حتى تتعافى، والمصرف قد يتردد في تمويلها بسبب آثار التعثر السابق، وغياب التمويل قد يمنعها من التعافي. وهذه دائرة لا تكسرها الدعوة إلى ضخ الأموال بلا ضوابط، كما لا تكسرها سياسة إغلاق باب التمويل أمام كل مؤسسة تأثرت بالحرب. والمطلوب هو تمويل التعافي، وليس إعادة تمويل التعثر.

من إنقاذ المؤسسات إلى إنقاذ الوظيفة:

التمويل الأصغر ليس مجرد نشاط تجاري تمارسه مجموعة من المؤسسات. إنه قناة للوصول إلى صغار المنتجين، وأصحاب الأعمال الصغيرة، والمزارعين، والحرفيين، ومقدمي الخدمات، ويمكن أن يؤدي دورا مهما في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي بعد الحرب.

لذلك فإن خروج مؤسسة قابلة للحياة من السوق يمثل خسارة أكبر من خسارة كيان تجاري؛ لأنه قد يعني فقدان قناة تمويل تخدم آلاف العملاء. وفي المقابل، فإن الإبقاء على مؤسسة غير قادرة على الإدارة أو تحمل المخاطر لا يخدم القطاع ولا العملاء.

المعادلة الصحيحة إذن هي: إنقاذ وظيفة التمويل الأصغر، وليس بالضرورة إنقاذ كل مؤسسة تمويل أصغر. وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: إذا استوفت المؤسسة رأس المال والحوكمة، وكانت قابلة للحياة، فمن أين تأتيها الموارد؟

وهنا تبدأ العقدة الثانية في أزمة القطاع.

في المقال القادم: التمويل الأصغر بين المصارف وبنك السودان.. من أين تأتي الموارد، وكيف ننتقل من إعادة تمويل التعثر إلى تمويل التعافي؟

↑
Exit mobile version