التمويل الأصغر في السودان بعد الحرب: من النموذج التقليدي إلى التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن (1 من 4)
Mazin
نعمان يوسف محمد
لماذا لم يعد التمويل الأصغر التقليدي كافياً؟ لم يعد السؤال في السودان بعد الحرب: كيف نعيد تشغيل مؤسسات التمويل الأصغر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نبني اقتصاداً قادراً على التعافي والنمو؟ فالأمم لا تعيد بناء اقتصاداتها بالأدوات التي عجزت عن حمايتها قبل الأزمات، بل تراجع نماذجها، وتطور سياساتها، وتبتكر حلولاً تتناسب مع واقعها الجديد.
من هذا المنطلق، لا تمثل هذه السلسلة دعوة إلى التقليل من قيمة تجربة التمويل الأصغر في السودان، ولا إلى هدم ما تحقق خلالها، وإنما هي دعوة إلى مراجعة موضوعية وشجاعة، تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها الحرب، وتستند إلى قناعة راسخة بأن أفضل التجارب هي تلك التي تمتلك القدرة على مراجعة نفسها والتطور مع تغير الظروف.
لقد كان السودان من أوائل الدول في المنطقة التي تبنت التمويل الأصغر كأداة لتعزيز الشمول المالي والحد من الفقر، وأسهم القطاع، على مدى أكثر من ربع قرن، في توسيع نطاق الخدمات المالية ليصل إلى ما يقارب أربعة ملايين مستفيد ومستفيدة، وفتح المجال أمام النساء والشباب وصغار المنتجين ورواد الأعمال للحصول على التمويل لأول مرة. وهي إنجازات تستحق التقدير، وتشكل أساساً يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
غير أن الاعتراف بما تحقق لا ينبغي أن يحجب عنا سؤالاً أكثر أهمية: هل حقق التمويل الأصغر الأثر التنموي الذي كان مأمولاً؟ وهل انعكس هذا الانتشار الواسع في تحسن ملموس بمعدلات التشغيل، وتراجع الفقر، وتعزيز الإنتاج، ورفع مساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني؟
إن مثل هذه الأسئلة لا تهدف إلى محاكمة التجربة، بل إلى تقييمها وفق معيار أكثر عمقاً من مجرد عدد العملاء أو حجم المحافظ التمويلية؛ وهو معيار الأثر التنموي، الذي يقيس مدى مساهمة التمويل في خلق الثروة، وتعزيز الإنتاج، وتحسين جودة الحياة. وقد جاءت الحرب لتكشف حجم التحديات الكامنة في النموذج القائم. فبحسب تقرير أداء قطاع التمويل الأصغر لعام 2023 الصادر عن وحدة التمويل الأصغر بالإدارة العامة للشمول المالي في بنك السودان المركزي، لم تتمكن سوى سبع مؤسسات من أصل إحدى وخمسين مؤسسة وشركة مرخصة من تقديم بياناتها المالية للبنك المركزي، كما لم يستأنف النشاط سوى 47 فرعاً من أصل 97 فرعاً، وانخفض حجم التمويل القائم بنحو 65% مقارنة بعام 2022، وقفزت نسبة التعثر إلى نحو 70% بعد أن كانت في حدود 3%، بينما ارتفعت نسبة الدين إلى حقوق الملكية إلى 1:32، وهي مؤشرات تعكس عمق الصدمة التي تعرض لها القطاع، وتؤكد أن مرحلة التعافي تتطلب إعادة بناء نموذج التمويل، لا مجرد استئناف النشاط.
ولم تقتصر آثار الحرب على المؤشرات المالية، بل امتدت إلى البيئة الإنتاجية بأكملها. فقد تعطلت سلاسل الإمداد، وتوقفت آلاف الأنشطة الاقتصادية، ونزح الملايين من مناطقهم، وتراجعت السيولة، وازدادت صعوبة الحصول على التمويل، كما فقدت مؤسسات التمويل الأصغر جزءاً مهماً من بنيتها التشغيلية وقواعد عملائها. وأصبحت مهمة إعادة دمج النازحين والعائدين في النشاط الاقتصادي تمثل تحدياً تنموياً لا يقل أهمية عن إعادة تشغيل المؤسسات المالية نفسها.
لقد أثبتت هذه التطورات أن المشكلة لم تكن في نقص التمويل وحده، وإنما في محدودية النموذج الذي ظل يركز، في جانب كبير منه، على تمويل المشروعات الفردية والأنشطة الصغيرة المنعزلة، دون أن يمنح الاهتمام الكافي للمنظومات الإنتاجية المتكاملة وسلاسل القيمة التي تربط بين الإنتاج والتصنيع والخدمات والتسويق.
فالفرق كبير بين تمويل تاجر صغير لشراء بضاعة، وتمويل سلسلة قيمة زراعية تبدأ بالمدخلات، وتمر بالإنتاج والحصاد والتخزين والنقل والتصنيع، وتنتهي بالوصول إلى المستهلك. فالأول قد يحسن دخل أسرة واحدة، أما الثاني فيولد فرص عمل، ويحفز الاستثمار، ويخلق قيمة مضافة، وينشط الاقتصاد المحلي بأكمله.
وفي الوقت ذاته، يشهد العالم تحولاً جذرياً في صناعة التمويل التنموي. فقد أصبحت الهوية الرقمية، والمحافظ الإلكترونية، والتوقيع الإلكتروني، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، أدوات أساسية في تصميم الخدمات المالية الحديثة وإدارتها، ولم تعد مجرد خيارات تقنية أو مشاريع مستقبلية.
والسودان ليس بعيداً عن هذا المسار. فالدولة تمضي في تنفيذ مشروع وطني للتحول الرقمي يقوده بنك السودان المركزي من خلال تطوير البيئة التنظيمية للخدمات المالية الرقمية، بالتنسيق مع وزارة التحول الرقمي والاتصالات، بما يهيئ لبناء بنية رقمية وطنية أكثر كفاءة وشمولاً.
غير أن هذا التحول لا يمثل توجهاً سودانياً فحسب، بل يعكس اتجاهاً عالمياً في صناعة التمويل التنموي؛ إذ تتجه المؤسسات الدولية اليوم إلى دمج التكنولوجيا المالية، وتمويل سلاسل القيمة، والتمويل الأخضر، وقياس الأثر التنموي في نماذجها التمويلية، باعتبارها أدوات أكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات والكوارث.
ومع ذلك، فإن التحول الرقمي، على أهميته، ليس غاية في ذاته. فإرسال التمويل عبر الهاتف المحمول، أو استخدام التطبيقات الإلكترونية، لا يغير فلسفة التمويل إذا بقيت المؤسسة تؤدي الدور التقليدي نفسه. فالتكنولوجيا ينبغي أن تكون وسيلة لتعزيز الكفاءة، وتحسين إدارة المخاطر، وتوسيع الوصول إلى الخدمات، لا بديلاً عن الرؤية التنموية.
ومن هنا، فإن القضية الحقيقية ليست في رقمنة الإجراءات، وإنما في إعادة تعريف وظيفة التمويل الأصغر. فالسودان لا يحتاج اليوم إلى زيادة عدد المقترضين بقدر ما يحتاج إلى زيادة عدد المنتجين، ولا يحتاج إلى مؤسسات تدير محافظ ائتمانية فحسب، بل إلى مؤسسات تنموية تمول سلاسل القيمة، وتدعم الإنتاج، وتربط التمويل بالادخار والتأمين والتدريب والإرشاد والتسويق، وتقيس نجاحها بما تحدثه من أثر اقتصادي واجتماعي، لا بعدد العقود التي توقعها.
وانطلاقاً من هذه القناعة، تقترح هذه السلسلة إطاراً جديداً يحمل اسم “التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن”، بوصفه رؤية متكاملة لإعادة تعريف دور التمويل الأصغر في مرحلة التعافي الوطني، والانتقال به من التركيز على التمويل الفردي إلى بناء المنظومات الإنتاجية، ومن قياس النجاح بحجم التمويل إلى قياسه بالأثر التنموي. وسيُعرض هذا الإطار بالتفصيل في المقال القادم.
رسالة إلى صناع القرار إذا كان السودان يتطلع إلى إعادة بناء اقتصاده خلال الفترة 2026–2030، فإن إصلاح قطاع التمويل الأصغر لا ينبغي أن يقتصر على زيادة رؤوس الأموال أو توسيع المحافظ التمويلية، بل يجب أن يبدأ بإعادة تعريف رسالته، وربطه بسلاسل القيمة، وتسريع التحول الرقمي، وتبني أدوات التمويل الإسلامي المناسبة، وإرساء منظومة تقيس الأثر التنموي بوصفه المعيار الحقيقي للنجاح. إن مستقبل التمويل الأصغر في السودان لن يتحدد بحجم الأموال التي سنضخها، بل بالنموذج الذي سنختاره. فإما أن يظل التمويل أداة لتدوير القروض، وإما أن يتحول إلى محرك لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وقاطرة للتعافي الاقتصادي والاجتماعي. وتلك هي القضية التي ستتناولها هذه السلسلة.
في المقال القادم: إذا كان النموذج التقليدي لم يعد كافياً، فما البديل؟ وهل يكفي تطوير الأدوات الحالية، أم أن السودان بحاجة إلى فلسفة جديدة للتمويل تقود مرحلة التعافي؟ سنعرض في الحلقة الثانية الإطار المقترح لـ “التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن”، ومكوناته، ومرتكزاته، وكيف يمكن أن يشكل أساساً لإعادة بناء قطاع التمويل الأصغر في السودان.