المركز الإفريقي للاستشارات
يُعد قطاع التعدين أحد الأعمدة الأساسية للاقتصادات الإفريقية، حيث تحتضن القارة ما يقارب 30% من الثروات المعدنية العالمية، بما في ذلك الذهب والماس والكوبالت والليثيوم والنحاس واليورانيوم. هذه الثروات جعلت من إفريقيا محط أنظار القوى الدولية والإقليمية، وأثارت في الوقت ذاته أسئلة عميقة حول التنمية المستدامة، السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية في توزيع العوائد.
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن صادرات المعادن تشكّل في بعض الدول أكثر من 70% من إجمالي العائدات الوطنية، كما هو الحال في الكونغو الديمقراطية وزامبيا، بينما تعتمد دول أخرى مثل جنوب إفريقيا على الذهب والبلاتين كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية. ووفقا للتقرير الصادر عن “المؤتمر الإفريقي للتعدين” في كيب تاون 2024، فإن الطلب العالمي المتزايد على المعادن الإستراتيجية المرتبطة بالطاقة النظيفة والتحول التكنولوجي جعل من القارة محورا رئيسيا في الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى.
على المستوى الاقتصادي، يتضح أن قطاع التعدين يمثل فرصة مزدوجة. فمن جهة، يوفر عائدات ضخمة وفرص عمل، ومن جهة أخرى يكشف عن هشاشة اقتصادات تعتمد على تصدير المواد الخام دون قيمة مضافة. كما جاء في تقرير “الأونكتاد” 2023، فإن أكثر من 80% من صادرات المعادن الإفريقية تذهب خاما إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، ما يحرم الدول الإفريقية من مكاسب التصنيع والتشغيل المحلي.
أما من الزاوية السياسية، فقد ارتبطت المعادن دائما بمسألة السيادة الوطنية. في النيجر ومالي على سبيل المثال، أصبح اليورانيوم محور صراع بين النفوذ الفرنسي والتدخلات الجديدة من روسيا عبر مجموعة فاغنر. وفي السودان، أدت السيطرة على مناجم الذهب إلى تمويل المليشيات المسلحة ، كما أشار تقرير “مجموعة الأزمات الدولية” في 2024، مما حوّل الثروة المعدنية إلى وقود للصراعات بدلا من أن تكون رافعة للتنمية.
الجانب الاجتماعي لا يقل تعقيدا، إذ تشير الدراسات الصادرة عن “منظمة العمل الدولية” إلى أن مئات الآلاف من العمال في التعدين الأهلي يعملون في ظروف خطرة ودون حماية اجتماعية أو صحية، خصوصا في غانا وبوركينا فاسو. كما أن المجتمعات المحلية غالبا ما تتحمل التكاليف البيئية والاجتماعية للتعدين، من تلوث المياه إلى النزوح القسري، دون أن تنال نصيبها العادل من العوائد.
إلى جانب ذلك، تتزايد الضغوط الدولية على الحكومات الإفريقية لاعتماد معايير الحوكمة والشفافية في عقود التعدين، كما جاء في تقرير “مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية” 2023. غير أن التناقض يظل قائما بين الخطاب الغربي المطالب بالإصلاح، والممارسات الفعلية لشركات متعددة الجنسيات التي تستغل ضعف المؤسسات المحلية للحصول على امتيازات طويلة الأمد بشروط غير متكافئة.
ومن زاوية العلاقات الدولية، دخلت الصين في العقدين الأخيرين كفاعل رئيسي، حيث تسيطر شركاتها على قطاعات النحاس والكوبالت في الكونغو الديمقراطية، بينما تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتأمين سلاسل توريد للمعادن الحرجة بعيدا عن الهيمنة الصينية. كما جاء في تقرير “المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية” 2024، فإن إفريقيا أصبحت ساحة تنافسية لا غنى عنها في سباق الانتقال الطاقي العالمي.
في المحصلة، يشكل التعدين في إفريقيا نقطة التقاء بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع. فهو مورد استراتيجي يمكن أن يكون مفتاحا للتنمية والتحول الصناعي، لكنه قد يتحول أيضا إلى لعنة الموارد إذا استمرت الحلقة المفرغة من الفساد والصراع والتبعية. ما تحتاجه القارة هو سياسات متوازنة تعزز الشفافية وتعيد صياغة العقود مع الشركات العالمية بما يضمن القيمة المضافة محليا، إلى جانب آليات تضمن حماية المجتمعات المحلية والبيئة، وتحويل الثروة المعدنية إلى رافعة للتنمية المستدامة بدلا من أن تكون سببا لمزيد من التوترات.