رأي

التحولات في أمن البحر الأحمر: من (ارض الصومال) واليمن إلى السودان وفرص الشراكة الإقليمية!؟

السفير.د.معاوية البخاري

مقدمة:

يشهد الإقليم الممتد من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر وخليج عدن مرحلة إعادة تشكّل عميقة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسيادة مع تنافس النفوذ الإقليمي والدولي. وقد جاءت تطورات متلاحقة – من صوماليلاند وما أُثير حول الاعتراف الإسرائيلي بها، إلى تصاعد التوتر في اليمن بين الشرعية والتفويض ، وتبدلات أدوار السعودية والإمارات، وصولًا إلى رئاسة الصومال لمجلس الأمن لشهر يناير الجاري ، وإلى جانبها الحرب في السودان وهي تقارب اكمال عامها الثالث – لتؤكد أن الإقليم بات أمام مفترق طرق حاسم: إما الانزلاق نحو مزيد من الفوضى والتفكك والصراعات بالوكالة والابقاء على حالة الهشاشة ، أو اغتنام الفرصة لبناء شراكة إقليمية حقيقية تستند إلى المصالح المشتركة والعمل الجماعي وأمن الممرات البحرية الحيوية.

هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها، إذ يجمعها خيط ناظم واحد: أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بوصفها شرايين استراتيجية للتجارة الدولية والطاقة، وسلاسل الغذاء وفضاءً مفتوحًا لتنافس القوى الإقليمية الطامحة للنفوذ والتمدد خارج أرضها.

١/ صوماليلاند: الاعتراف المثير للجدل وسياق تفكيك الدول

إعادة إحياء ملف صوماليلاند، وما ارتبط به من حديث عن اعتراف إسرائيلي، يعكس انتقال التنافس في القرن الإفريقي من مرحلة النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي إلى مرحلة الجهر بإعادة هندسة الخرائط السياسية. فالإقليم الذي أعلن انفصاله من جانب واحد عن الصومال عام 1991 ظلّ لعقود خارج دائرة الاعتراف الدولي، رغم ما يتمتع به من استقرار نسبي ، وتقدم الصومال في حالة التعافي من حربها فوق الثلاثة عقود.

غير أن أي خطوة نحو الاعتراف الخارجي – خصوصًا من طرف فاعل ذي حسابات أمنية في البحر الأحمر – لا تُعدّ مسألة ثنائية، بل سابقة خطيرة تُكرّس منطق تفكيك الدول الهشة، وتضرب مبدأ سيادة الدول الوطنية ووحدة أراضيها، وتعظيم للحالة المليشياوية والأنظمة الموازية . كما أنها تفتح الباب أمام إعادة توظيف النزعات الانفصالية كأدوات صراع جيوسياسي.

من هنا، تبرز أهمية دعم الدولة الصومالية ومؤسساتها الشرعية، بالتوازي مع معالجة جذور الأزمات الداخلية، وأثرها على القرن الأفريقي، بدل ترك الساحة لتدخلات خارجية توظف الهشاشة السياسية لتحقيق مكاسب استراتيجية خاصة على حساب استقرار الإقليم وتفكيك دوله.

٢/ اليمن: عقدة باب المندب وكلفة الصراع المفتوح

في اليمن، أعادت التطورات الأخيرة، وما صاحبها من تهديد للملاحة الدولية في البحر الأحمر، وضع هذا البلد المنهك في قلب المعادلة الإقليمية والدولية. فاليمن لم يعد يُنظر إليه فقط كأزمة إنسانية، بل كعامل مباشر في أمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.على فداحة أزمته الداخلية، وبؤر الانفصال، وتدحرج أهداف تحالف دعم الشرعية فيه الي مواجهة وتوتر.

التجربة اليمنية كشفت بوضوح حدود المقاربة العسكرية الصرفة، ومخاطر إدارة الصراعات عبر وكلاء محليين. كما أظهرت أن استقرار باب المندب لا يمكن ضمانه دون دولة يمنية موحدة وقادرة، تمتلك قرارها السيادي، وعودة الشرعية الكاملة بتوافق وسند عربي وإقليمي.

في هذا السياق، بدت السعودية أكثر ميلًا إلى مراجعة خياراتها، والبحث عن تسويات سياسية تقلل من كلفة الاستنزاف، وتحفظ أمنها القومي. وقد ساهم هذا التحول في كشف جوانب من الدور الإماراتي، الذي تجاوز في كثير من مراحله أهداف التحالف المعلنة، واتجه نحو بناء نفوذ مستقل عبر السيطرة على الموانئ والجزر ودعم كيانات موازية للدولة، كما في تجربة السودان.

٣/ الإمارات: انكشاف الدور وتراجع هامش المناورة

على امتداد اليمن والقرن الإفريقي، اتسم الدور الإماراتي بسعي محموم للسيطرة على عقد الموانئ والممرات البحرية، والموارد المعدنية، وتوظيف قوى محلية لتحقيق نفوذ يتجاوز حدود الدول المعنية. هذا النهج، وإن حقق مكاسب مرحلية، إلا أنه أفضى إلى نتائج عكسية، سواء على مستوى الاستقرار المحلي أو على مستوى صورة الإمارات إقليميًا ودوليًا.في ظل تراجع الدور الرئيسي للجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي والإجماع العربي، في سياق ما اجتاح المنطقة من تطورات، منذ الربيع العربي بتمظهرات لها انعكاسات ماكرة.

اليوم، ومع تراجع هامش المناورة تحت ضغط المتغيرات الدولية، وتنامي الوعي الإقليمي بمخاطر هذا الدور، تبدو الإمارات في موقع دفاعي نسبي. وقد كشف التدخل السعودي، بصورة غير مباشرة، مغبة الرهان على مشاريع تفكيك الدول، وحدود القدرة على إدارة الإقليم بمنطق الشركات الأمنية والمليشيات، وارباك الأمن الاقليمي للمنظومة البحرية بكاملها.

هذا التراجع يخلق فرصة سانحة أمام دول الإقليم لممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي وازن بحوار جدي منظم ومتعمق بين الأطراف ، يهدف إلى تحجيم الأدوار التخريبية، وإعادة الاعتبار لمبدأ الدولة الوطنية بوصفه خطا احمرا وحجر الزاوية في أمن البحر الأحمر واستدامته.

٤/السودان: الحلقة الأضعف والأخطر في آن واحد

لا يمكن الحديث عن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي دون التوقف عند الوضع في السودان، الذي يشكل بامتداده الجغرافي وساحله الطويل على البحر الأحمر عنصرًا محوريًا في معادلة الأمن الإقليمي. فالحرب الدائرة في السودان ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل فان ذيولها الاقليمية تجعلها أزمة ذات تداعيات مباشرة على أمن البحر الأحمر، والهجرة، والتجارة، والتهريب والارهاب والاستقرار في القرن الإفريقي.

لقد كشفت تطورات الحرب حجم التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي، الذي أسهم – عبر دعمه لمليشيا الدعم السريع المتمردة في إطالة أمد الصراع، وتقويض فرص بناء دولة سودانية مستقرة. هذا الدور لم يكن معزولًا عن طموحات السيطرة على الموانئ وخطوط الإمداد، والمعادن وربط السودان بشبكة نفوذ تمتد من القرن الإفريقي إلى الخليج.

في المقابل، يظل السودان، رغم محنته، متعددة الاوجه عنصر توازن محتمل في الإقليم إذا ما أُتيح له مسار وطني جامع، وإسناد إقليمي على تعقيدات جواره، بدعمه في استعادة دولته ومؤسساته. واستقرار السودان ليس مصلحة سودانية فحسب، بل شرطًا أساسيًا لأمن البحر الأحمر ومنع تحوله إلى ساحة صراع مفتوح.

٥/رئاسة الصومال لمجلس الأمن: نافذة لبناء الشراكة الإقليمية

في هذا السياق المعقد، تكتسب رئاسة الصومال لمجلس الأمن خلال شهر يناير الجاري أهمية خاصة. فهي تتيح فرصة نادرة لطرح قضايا القرن الإفريقي والبحر الأحمر على أعلى منصة دولية، من منظور دول الإقليم نفسها، لا من منظور القوى الخارجية، وجعلها في الصدارة.

يمكن لهذه الرئاسة ان تحسن استخدامها أن تُسهم في تحفيز “العلاقات البينية” بين دول الإقليم – الصومال، السودان، اليمن، السعودية، ودول البحر الأحمر – عبر الدفع نحو مقاربة جماعية لأمن الممرات البحرية، تقوم على احترام السيادة، ومنع عسكرة السواحل، ورفض تحويل الموانئ إلى أدوات ابتزاز سياسي، وغبر طموحات الأنظمة الموازية.

كما تتيح هذه اللحظة إمكانية بناء شراكة حقيقية، تعالج جذور الأزمات بدل الاكتفاء بإدارة أعراضها، وتعيد تعريف الأمن بوصفه أمنًا مشتركًا لا صفريًا.

٦/المستقبل: من إدارة الأزمات إلى بناء الإقليم

إن تلاقي التطورات في صوماليلاند واليمن والسودان، في هذه اللحظة الفارقة، مع تبدل أدوار الفاعلين الإقليميين، يؤشر إلى حالة سيولة استراتيجية نادرة. وهي لحظة يمكن أن تُستثمر في إعادة بناء الإقليم على أسس جديدة، أو تُهدر لتكريس مزيد من التفكك والانقسام.

الرهان اليوم ينبغي أن يكون على شراكة إقليمية حقيقية، تُحسن استثمار المتغيرات، وتُمارس ضغطًا منظمًا على الأدوار التخريبية، وفي مقدمتها الدور الإماراتي، الذي يتراجع تحت وطأة انكشافه. أما البديل، فهو ترك البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن رهينة لصراعات الوكالة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الجميع.

خاتمة:

ما يجري في صوماليلاند، واليمن، والسودان، وما يتقاطع معه من تبدّل في أدوار السعودية والإمارات، ورئاسة الصومال لمجلس الأمن حاليا ، ليس أحداثًا متفرقة، بل تعبير عن لحظة فرز إقليمي حاسمة. فإما أن تنتقل دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي من موقع الساحات المفتوحة لتجاذبات الخارج إلى موقع الفاعل الذي يصوغ أمنه بيده، أو تظل رهينة لمشاريع تفكيك الدول وإدارة الفوضى وصراع الارادات الدولية في غياب القانون الدولي.

لقد انكشف نموذج النفوذ القائم على المليشيات، بحرب الوكالة والسيطرة على الموانئ، وتفتيت السيادات الوطنية، وبدأت كلفته تتجاوز مكاسبه، كما هو حال الدور الإماراتي الذي يتراجع تحت ضغط الوقائع لا الخطابات والهروب . وفي المقابل، تتبلور فرصة نادرة لبناء شراكة “بينية” بين دول الإقليم، قوامها احترام الدولة الوطنية، وتأمين البحر الأحمر وباب المندب كفضاء مشترك، لا كغنيمة جيوسياسية، لا تستثني أمن دول الخليج .

إن استقرار السودان، ووحدة الصومال، وتسوية اليمن، ليست ملفات إنسانية مؤجلة، بل شروط تأسيس لأمن إقليمي مستدام. ومن دون ذلك، سيبقى البحر الأحمر نقطة توتر دائمة، ومسرحًا لصراعات الآخرين. أما الاستثمار في هذه اللحظة، بجرأة سياسية ورؤية جماعية مشتركة، فيمكن أن يحوّل الإقليم من خاصرة رخوة إلى ركيزة استقرار، ومن موضوع على أجندات الخارج إلى شريك كامل في صياغة أمنه ومستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى