محمد الحاج
من زاوية أخري
يشهد العالم اليوم تحولات جيوسياسية عميقة تتقاطع فيها مشاريع دولية كبرى، من أبرزها ما يُعرف بـ«مشروع الشرق الأوسط الجديد»، الذي يهدف إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. هذا المشروع، الذي تتعدد قراءاته، يقوم في جوهره على إعادة توزيع موازين القوى وإضعاف البنى الاجتماعية في الدول ذات الثقل الديني أو الجغرافي، بما يضمن استمرار التفوق الاستراتيجي لقوى دولية وإقليمية معينة. وفي ظل هذه التحولات، تتعرض المجتمعات المسلمة في إفريقيا لضغوط متزايدة، تتخذ أشكالًا مباشرة وغير مباشرة، وتُمارس غالبًا تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، وهو الشعار الذي أصبح مدخلًا لإعادة صياغة الهويات الدينية والاجتماعية في مناطق واسعة من القارة.
لقد أصبحت مجتمعات مسلمة في الصومال والسودان ومنطقة الساحل والصحراء والبحيرات العظمى ووسط وغرب إفريقيا تواجه هزات عميقة في بنيتها الاجتماعية، نتيجة تدخلات خارجية تسعى إلى تفتيت هذه المجتمعات وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالح قوى دولية. ويأتي ذلك في سياق الصراع العربي–الإسرائيلي الذي لم يعد محصورًا في جغرافيا الشرق الأوسط، بل امتدت آثاره إلى إفريقيا، حيث تتنافس قوى متعددة على النفوذ، وتعمل على استثمار الانقسامات الدينية والعرقية لتحقيق مكاسب سياسية.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تظهر محاولات دفع الرأي العام نحو التركيز على صراعات جانبية، مثل تضخيم قضية تمدد النفوذ الإيراني، رغم أن الواقع يشير إلى أن هذه القضية ليست هي التحدي الأكبر الذي يواجه المسلمين اليوم. فهناك دوائر دولية تسعى إلى إشعال صراعات بين الطوائف المسلمة، وإضعاف بنيان المجتمعات الإسلامية من الداخل. وحتى إن أخطأت إيران في بعض حساباتها تجاه الدول العربية، فإن قراءة المشهد تتطلب إدراك أن كثيرًا من تحركاتها تأتي في سياق حماية أمنها القومي، بعد أن تعرضت لتهديدات مباشرة من قوى دولية وإقليمية، وفي مقدمتها التحالفات التي تستهدف نفوذها. وهذا ليس دفاعًا عن إيران، بل تنبيه إلى أن الخطر الحقيقي على الدول العربية والمسلمين لا ينبع من دولة بعينها، بل من مشاريع كبرى تعمل على هدم كل قوة يمكن أن تقف في مواجهة إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية تجعل من بعض القوى مركزًا عالميًا جديدًا في الشرق الأوسط.
إن مشروع الشرق الأوسط الجديد، في أحد أبعاده، يقوم على تفتيت الكتل الكبرى وإضعاف الروابط الجامعة بين الشعوب المسلمة، سواء في الشرق الأوسط أو في إفريقيا. وهذا ما يجعل مسلمي إفريقيا جزءًا من معادلة الصراع، رغم بُعدهم الجغرافي عن مركزه التقليدي. فالقارة الإفريقية تمثل عمقًا استراتيجيًا مهمًا للعالم الإسلامي، وتضم كتلة بشرية ضخمة يمكن أن تشكل قوة مؤثرة إذا توحدت رؤيتها ومصالحها. ولهذا السبب، تتعرض هذه المجتمعات لمحاولات إعادة تشكيل دينية وثقافية، عبر دعم تيارات معينة أو إضعاف أخرى، بهدف خلق بيئة سياسية واجتماعية قابلة للتوجيه الخارجي.
وفي ظل هذه التحديات، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة ذات مكانة دينية ورمزية خاصة لدى المسلمين في إفريقيا والعالم. فوجود الحرمين الشريفين يمنحها ثقلًا روحيًا يجعلها في موقع المسؤولية تجاه دعم قضايا المسلمين، خصوصًا في المناطق التي تواجه ضغوطًا أو تهديدات. كما أن ملايين المسلمين الأفارقة يؤدون الحج والعمرة سنويًا، مما يعزز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين المملكة وتلك الشعوب، ويجعل من دورها عنصرًا محوريًا في تعزيز الاستقرار والتنمية.
إن دعم المملكة للمجتمعات المسلمة في إفريقيا لا ينبغي أن يقتصر على البعد الروحي، بل يجب أن يمتد إلى دعم اقتصادي واستثماري يساهم في تقوية البنية الاجتماعية، والحد من الفقر والبطالة، وتعزيز التعليم الديني الوسطي، وتقوية المؤسسات المحلية. فهذه الخطوات لا تخدم مسلمي إفريقيا فحسب، بل تعود بالنفع المتبادل على المملكة، وتُعزز مكانتها كقوة إسلامية مركزية.
وفي مقابل مشاريع التفتيت، تبرز الحاجة إلى بناء قطبية إسلامية جديدة، تقوم على التعاون بين الدول ذات الثقل الديني والديمغرافي والاقتصادي، مثل المملكة العربية السعودية، وتركيا، وإندونيسيا، وماليزيا، وباكستان، ودول إفريقية كبرى ذات أغلبية مسلمة مثل الجزائر ، مصر، السودان، نيجيريا والسنغال. هذه الدول تمتلك القدرة على تشكيل محور إسلامي متماسك، قادر على حماية مصالح المسلمين دون الحاجة إلى الدخول في مسارات تطبيع سياسي مع أي طرف، ودون الارتهان لمشاريع خارجية تعيد تشكيل المنطقة وفق مصالح غير إسلامية.
إن القضايا التي تهم المسلمين اليوم في إفريقيا والعالم ليست صراعات النفوذ ولا التنافسات الإقليمية، بل قضية وحدة الصف المسلم بجميع طوائفه، من أجل خدمة قضايا الإسلام والمسلمين، والقيام بالدور الذي أمرهم به الخالق، وهو عمارة الأرض التي استخلفهم الله فيها.