رأي

التأسيس الانتقالي في السودان: من ملامح الفكرة إلى ضرورة الآليات

دكتورة ميادة سوار الدهب

لا يقدّم مقال “زلزال السودان” للسفير العبيد مروح، الذي نشر قبل يومين، مجرد قراءة نقدية للماضي أو توصيفاً للأزمة الراهنة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يطرح ملامح فكرة تسعى لإعادة تأسيس الدولة السودانية على قاعدة جديدة. وهذا الطرح في حد ذاته يمثل نقلة مهمة في التفكير السياسي “تتجاوز منطق التعامل مع الأزمة إلى أفق بناء الدولة على أسس جديدة”.

ينطلق المقال من فكرة جوهرية مفادها أن السودان يمر بلحظة تاريخية تتطلب مراجعة عميقة لتجربة الحكم الوطني، وأن أي انتقال حقيقي لا يمكن أن يكون مجرد عبور ، بل يجب أن يكون عملية تأسيس واعية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، تبرز الدعوة إلى “الحقيقة والمصارحة” كمدخل ضروري لأي مصالحة وطنية، وهي فكرة تستند إلى تجارب إنسانية واقعية في تجاوز النزاعات وبناء السلام.

غير أن أهمية هذه الرؤية لا تكمن فقط في قيمتها النظرية، بل في قدرتها على التحول إلى مشروع عملي. وهنا تظهر الفجوة الأساسية: فالمقال، رغم ثرائه الفكري، يظل في مستوى “طرح الملامح”، دون أن ينتقل بشكل كافٍ إلى مستوى “بناء الآليات”. فالتأسيس الانتقالي، في جوهره، ليس فكرة مجردة، بل عملية سياسية ومؤسسية معقدة تتطلب تحديداً دقيقاً للأدوات التي ستحول هذه الرؤية إلى واقع. الحديث عن المصارحة والمصالحة، على سبيل المثال، يحتاج إلى أدوات قابلة للتطبيق واجراءات واضحة: مَن الذي يدير هذه العملية؟ ما هي صلاحياته؟ كيف تُضمن شفافيتها واستقلاليتها؟ وما هي المخرجات الملزمة لها؟ وبالمثل، فإن الدعوة إلى مرحلة انتقالية جديدة تقوم على قاعدة مختلفة، تستدعي تحديد شكل هذه المرحلة: ما هي هياكل السلطة الانتقالية؟ كيف يتم تمثيل الأقاليم والقوى الاجتماعية؟ ما طبيعة العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية؟ وما هو الإطار الزمني الذي يحكم هذه العملية حتى لا تتحول إلى انتقال مفتوح بلا نهاية؟

وفي هذا السياق، يجدر التذكير بأن هذه الأسئلة لم تعد نظرية، إذ سبق أن طُرحت إجابات أولية عليها عبر رؤية “منصة التأسيس الوطنية ”، التي شارك في وضعها نخبة من أهل الدراية، وقدمت – قبل عامين – خارطة طريق تتناول هياكل السلطة الانتقالية، وآليات الانتقال المتدرج، وكيفية إدارة المرحلة بما يحقق قدراً من التوازن بين الاستقرار والتغيير. وهذه الجهود تمثل رصيداً مهماً يمكن البناء عليه، لا سيما أنها تنتقل بالنقاش من مستوى التنظير إلى مستوى الاقتراح العملي.

كما أن الرهان على دور الشباب في قيادة المستقبل، الذي أشار إليه المقال، يظل عنصرا إيجابيا في الطرح، لكنه يتطلب إدماجاً فعلياً داخل بنية المرحلة الانتقالية. فالمسألة لا تتعلق بمجرد الاعتراف بدور الشباب، بل بخلق مسارات واضحة تمكنهم من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار ضمن مؤسسات مستقرة وقادرة على الاستمرار. وفي السياق ذاته ،يجب الأخذ في الاعتبار أن الشباب ليسوا كتلة متجانسة، وهم أنفسهم جزء من الاستقطاب السياسي والاجتماعي، كما أن إدارة دولة في ظروف معقدة أو شبه منهارة تتطلب قدرا من الخبرة المؤسسية لا يمكن القفز فوقها. لذلك، فإن المقاربة الأكثر واقعية لا تقوم على إحلال جيل محل آخر، بل على بناء شراكة انتقالية متوازنة، تجمع بين من يملكون الخبرة والتجربة، ومن يملكون الدافع والقدرة على التغيير.

وفي مستوى آخر، تبرز إشكالية فرضية “التنازل الطوعي” أو ما أسماها المقال “المعادلة الصفرية”، فدعوة القوى السياسية إلى التجرد لصالح الوطن هي فكرة نظرية، إلا أنها عمليا تصطدم بطبيعة العمل السياسي ذاته، والذي يقوم على التنافس والصراع حول السلطة والموارد. فالتجارب تشير إلى أن القوى السياسية لا تميل إلى التنازل عن مشاريعها بإرادتها الحرة، إلا في ظل ضغوط حقيقية أو توازنات قوى جديدة تفرض ذلك، يُضاف إلى ذلك غياب الضامن الذي يمكنه إلزام الأطراف المختلفة بمثل هذا التوجه، فضلا عن عدم تكافؤ مواقع هذه الأطراف من حيث النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي، وهو ما يجعل فكرة التنازل الطوعي غير قابلة للتحقق ما لم تدعّم بترتيبات واضحة وآليات ملزمة. ومن ثم، فإن التحدي لا يكمن في إطلاق الدعوة، بل في تحويلها إلى إطار عملي قابل للتنفيذ. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التفكير في بناء تحالف سياسي عريض، غير مؤدلج، يتجاوز الاصطفافات التقليدية، ويقوم على برنامج حد أدنى يركز على مهام المرحلة الانتقالية، لا على إعادة إنتاج الصراعات الفكرية أو الحزبية. تحالف يمكن أن يشكل حاضنة سياسية للتأسيس الانتقالي، شريطة أن يبنى على أسس  واضحة، وآليات تنسيق فعالة، ورؤية مشتركة تضع استقرار الدولة وإعادة تشكيلها فوق الاعتبارات الضيقة.

بهذا المعنى، يتحول الانتقال من مجرد طرح أفكار عامة إلى بناء مسار عملي ؛ يدرك طبيعة الصراع، ضمن أطر منظمة تفتح الطريق نحو استقرار مستدام

إن ما يقدمه المقال، في جوهره، هو أرضية فكرية يمكن البناء عليها. لكنه، لكي يتحول إلى مشروع قابل للتنفيذ، يحتاج إلى الانتقال من مستوى “الرؤية العامة” إلى مستوى “البناء الهيكلي”. وهذا الانتقال هو ما يحدد الفارق بين فكرة ملهمة ومشروع سياسي قادر على إحداث التغيير، ولذلك فإن حصره بين مبادرة من “أصحاب البصيرة” أو تبنيه من الدولة، يغفل عاملا حاسما: أن جميع التحولات الكبرى تنشأ من تفاعل معقد بين ضغط شعبي منظم، وتوافق سياسي نسبي، وقبول أو حياد المؤسسة العسكرية. وأي اختزال لهذا التعقيد قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة. في المحصلة، يمكن القول إن “زلزال السودان” يضع لبنة مهمة في نقاش ضروري حول مستقبل الدولة، لكنه يظل بداية الطريق لا نهايته. فالتحدي الآن ليس في إنتاج أفكار جديدة فحسب، بل في تطوير هذه الأفكار، والبناء على المبادرات السابقة، وتحويلها إلى آليات واضحة، قابلة للتطبيق، وقادرة على الصمود أمام تعقيدات الواقع السياسي. هنا فقط يمكن أن تتحول ملامح التأسيس الانتقالي إلى مسار فعلي يعيد تشكيل الدولة على أسس أكثر تماسكا واستقراراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى