البروفسور التجاني عبد القادر.. وفُجاءة انطفاء سراج الحركة الإسلامية في السودان!
Mazin
إمام محمد إمام i.imam@outlook.com
غيب الموت الذي هو حق علينا، ويُدركنا أينما نكون ولو كنا في بروجٍ مشيدةٍ، تصديقاً لقول الله تعالى: “أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ..”، الاخ البروفسور التجاني عبد القادر حامد الأكاديمي النحرير، والمفكر الشهير، فهو عندي المصباح ذو النور الواضح الذي يبين الطريق ويزيل الظلمة. فالمعنى الإصطلاحي والمجازي للمصباح هنا، أنه بكتاباته وانتقاداته للإنقاذ عمل على إحداث قدر من المراجعات، وإزالة عتمة الظلمات، وإضاءة السبل والطرقات، يوم الأربعاء 16 سبتمبر (أيلول) 2026 في الدوحة بقطر، حيثُ كان ثُلة من رسلائه أساتذة الجامعات في انتظاره لاجتماعٍ مهمٍ بشأن الجامعات السودانية، ففقيدنا، يعلم ذاكم الجمع علم اليقين أنه لا يتأخر عن حضور مثل هذه الملتقيات لولا الخطب الجلل، والمصاب الفادح الذي غيبه عن دنياواتنا الفانيات، في رحيل الفُجاءة، لما تأخر عنهم، وأثار قلقهم. فموت الفُجاءة -يا هداك الله- نهاية مروعة، وميتة داهمة باغتة، تلك النهاية التي لا تفرق بين صغير وكبير، وغني وفقير، ولا ذكر وأنثى، ولا صحيح ومريض، تأكيداً لقول الله تعالى: “قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ”. وتذكيراً بقول الشاعر العربي خويلد بن محرث بن سعد بن هذيل، المعروف بأبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيـت كـل تميمـةٍ لا تنفـعُ فقد شقَّ تصديق نبأ نعيه على الكثيرين من أهليه وأصدقائه ورسلائه وتلاميذه ومعارفه، داخل السودان وخارجه، وأنا من بينهم، بين مصدقٍ وغير مصدقٍ، لا سيما وأن بعض أخبار الوفَيات في زمان الناس هذا، تُكذب بعد حينٍ، وتُنفى بعد ثوانٍ، وذلكم من آفة الأخبار، فلا غروَّ أن قال في ذياكم الأمر، محمد بن الحُسين الشريف الرافضي: وَهُم نَقَلوا عَنِّ الَّذي لَم أُفُه بِهِ ما آفَةُ الأَخبارِ إِلّا رُواتُها وأحسبُ أن الكثيرين من الحَزانى لوفاة الأخ البروفسور التجاني عبد القادر حامد يعلمون علماً راسخاً، بواجبات الحُزن عليه منها للتذكير: أولاً: الرضا بقضاء الله، والصبر على ما أصابهم، امتثالاً لقول الله تعالى: “{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ”. ثانياً: العلم بأن الجزع والقلق لن يُحي ميتاً ولا يرد غائباً، ولا يكونوا من الذين إذا أصابهم الضر، ونزل بهم البلاء، فزعوا وجزعوا، ولا يكونون من الذين قال فيهم الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. ثالثاً: الإكثار من ذكر الله عز وجل: “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”. رابعاً: عليهم تذكر عظيم مصيبتهم في فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتذكر قول الله تعالى مخاطباً له في كتابه العزيز أنه ميت وأنهم ميتون، حيثُ يقول الله تعالى: “إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ”. خامساً: عليهم أن يحمدوا الله على الابتلاءات، ويشكروه، لقوله تعالى: ” ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. خامساً: عليهم البحث عما ينفع الميت من الدعاء له والصدقة عنه، أما الحزن والقلق فليس بنافعه شيئاً. أحسبُ أن الجزع الذي أصاب بعض أهليه وأصدقائه ورسلائه وتلاميذه، من سودانيين وعرب وعجم، من نبأ وفاته، أنهم كانوا على تواصل معه قبل بضع ساعاتٍ وأيامٍ من رحيله المؤلم، دون أن يشكو من عِلةٍ أو داءٍ، فتسارعت الاتصالات بين السودان وقطر وبريطانيا ومصر ودول الخليج والولايات المتحدة الأميركية، بحثاً عن تأكيد النبأ الأليم، ويُمنون النفس أن يكون الخبر كذوباً! الموتُ علينا حقٌ معلومٌ، لا مفر منه، ولا فرار عنه، تأكيداً لقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. على الرغم من أن نبأ الموت لم يعد يجزع منه الكثير من السودانين هذه الأيام التي تترى فيها أنباء الوفَيات، لكثرة الابتلاءات، ومصابهم الجلل في الأهل والوطن! وأكبر الظن عندي، أن موت الفُجاءة مثل غيره من أنواع الموت، وقيل قديماً “تعددت الأسباب والموت واحد”، وقالت العرب: “من لم يمت بالسيف مات بعلة”، وقال الله تعالى: “قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ”. إلا أن موت الفُجاءة حُزنه أوقع، ومُصابه جلل لدى أهل الميت وأصدقائه ومعارفه، وعارفي فضله وإحسانه. فموت الفُجاءة من أقدار الله التي يقضي بها في عباده، بأن يُصيب الموتُ مفاجأةً من غير إمهالٍ ولا إخطارٍ، وإنما هجوماً تنسل به الروح من غير معاناة سكرات الموت ومقدماته. وموت الفُجاءة، وهو موت راحة للمؤمن، كما جاء في مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني وغيره من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موت الفُجاءة، فقال: “راحة للمؤمن، وأخذة أسف الفاجر”. و ذهب بعض أهل العلم، إلى أن موت الفُجاءة يُعد من علامات اقتراب الساعة، ودليلهم في ذلكم، حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً فيقال لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقاً، وأن يظهر موت الفُجاءة”. وقد يُصاب المؤمن بموت الفُجاءة بسكتةٍ قلبيةٍ أو غيرها، ويكون راحة له ونِعمة من الله عليه، لكونه قد استعد واستقام وتهيأ للموت، واجتهد في الخير، فيؤخذ فجأةً وهو على حالةٍ طيبةٍ، على خيرٍ وعملٍ صالحٍ، فيستريح من كروب الموت، وتعب الموت ومشاقه. وبالعودة إلى السُّنة أيضاً، نجد أن تزايد حالات الموت الفُجائي علامةٌ، أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيّنها ووضحها تمام الوضوح، والعُمدة فيها حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن من أمارات (علامات) الساعة أن يظهر موت الفُجاءة”، رواه الطبراني وحسّنه الألباني. ولد البروفسور التجاني عبد القادر حامد في يناير (كانون الثاني) عام 1951 في “أم دم” بشمال كردفان غرب السودان، وتلقي تعليمه في المراحل قبل الجامعية في مدارس شمال كردفان. وكان رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم في سبعينات القرن الماضي، وتخرج في كلية الآداب -قسم الفلسفة- بجامعة الخرطوم في عام 1978، وحصل على الماجستير في الفلسفة من جامعة الخرطوم في عام 1984، والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن في عام 1989. وعمل الراحل التجاني عبد القادر في عهده الطالبي بجامعة الخرطوم معلماً في مدرسة الخرطوم بحري الشعبية الثانوية للبنات، ثم أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة الخرطوم، قبل أنْ تمتدَّ مسيرتُه الأكاديمية بين السُّودان وبريطانيا وماليزيا والولايات المتحدة الأميركية والإمارات وقطر. عرفتُ الأخ الراحل البروفسور التجاني عبد القادر حامد في عهد الطالبي بجامعة الخرطوم في خواتيم سبعينات القرن الماضي، وتوثقت تلكم العلائق في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، والتقيته أكثر من مرة، عندما كان أستاذاً في معهد العلوم الإسلامية والاجتماعية بفيرجينيا في الولايات المتحدة الأميركية، الذي أسسه البروفسور طه جابر العلواني -يرحمه الله- (1935-2016)، وهو مفكر وفقيه إسلامي من أصول عراقية، وكان رئيس المجلس الفقهي في أميركا. وكان البروفسور طه جابر العلواني كثيراً ما يدعوني إلى فعاليات وملتقيات ذلكم المعهد، إبان عملي في صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية سنين عددا، حيثُ كنت التقي الأخ الراحل التجاني عبد القادر هناك. وكذلك التقينا مرات عديدات عندما كان يعمل في جامعة زايد، وهي جامعة حكومية رسمية بأبي ظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة. كان الأخ التجاني عبد القادر حامد -يرحمه الله- نشطاً فاعلاً، ومجادلاً حكيماً، ومتحدثاً مقنعاً، في سوح أركان النقاش بجامعة الخرطوم، وهو من الذين يألفون ويُؤلفون، ويأنسون بالناس، ويأنس الناس بهم، ويُحبون صحبتهم، ويتقربون منهم. وكأني بالأخ التجاني عبد القادر يُنزل في نفسه مقاصد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أحَبَّكُم إليَّ أحاسِنُكُم أخلاقًا، الموطَّؤونَ أكنافًا، الذينَ يَألَفونَ ويُؤلَفونَ، وإنَّ أبغَضَكُم إليَّ المشَّاؤون بالنَّميمةِ، المُفرِّقونَ بَينَ الأحِبَّةِ، المُلتَمِسونَ للبُرَآءِ العَنَتَ”، الذي رواه أبوهريرة، وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير. فلا غروَّ أن أجمع إخوانه وأخواته من طلاب جامعة الخرطوم في الحركة الإسلامية على تقديمه نموذجاً صالحاً للقيادي الإسلامي المرتقب إلى رئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وقتئذٍ. وحمل الأمانة، وأدى الرسالة على أكمل وجه، وأبهى صورة. ومما يؤكد على دربته وأهميته في مسار الحركة الإسلامية الطلابية آنذاك، أن المعتقلين من الحركة الإسلامية، في سجن دبك، أجمعوا في غير ترددٍ، أن عليهم تهريب اثنين منهم، في خطة عُرفت ب”خطة القط”، فكانا التجاني عبد القادر لأهمية الملفات التي كان يضطلع عليها، ولدوره الفاعل في تنفيذ بعض المهمات، وداؤود يحى بولاد لصحبته ورفقته أثناء عملية التهريب والاختفاء! وفي بواكير عهد الإنقاذ، لم يألو التجاني عبد القادر أن يقدم جهده وفكره في غير منٍّ أو أذىً أو دنيا يُصيبها، في سبيل إنجاح الفكرة والمشروع الإسلامي، بينما بعض أترابه كان لهم رأي آخر، ونزلوا في أنفسهم، بفهمٍ مغلوطٍ، الحديث النبوي ” هذا رزق ساقه الله إليك”، فتطاولوا في البُنيان، وولجوا السوق، ورفعوا شأن القبيلة، وعظموا المناطقية، وسعوا إلى الجهوية! وعددوا في الحلائل، ونكصوا عن الجلائل! فشارك صاحبنا -يرحمه الله- في غير تراخٍ مع ثلة من الآخرين في الإعداد لمؤتمر الحوار حول النظام السياسي، بإشراف مباشر من الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي الأمين العام للحركة الإسلامية في السودان -تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات- الذي أومأ على أن يكون التجاني عبد القادر هو من سيقدم الورقة الرئيسية في المؤتمر، تمهيداً لتسنمه منصب الأمين العام للتشكيل السياسي الجديد. فإحقاقاً للحق، ودرءاً للظلم، وابطالاً لسوء الظن، كان الدكتور حسن الترابي متهوماً عند بعض الإسلاميين، وذلك بأنه لا يقدم القيادات الشبابية المؤهلة في قيادة منظومات الحركة الإسلامية، بينما الحقيقة الناصعة، والبراهين الدامغة، تؤكد غير ذلك، فالدكتور حسن الترابي قبل الإنقاذ وبعدها، كان يدفع بالشباب المؤهل دفعاً إلى تسنم المناصب العُلا، على حساب القيادة التاريخية المغاضبة لهذا التقديم، وحجاجي في ذلكم، تقديمه للأخ التجاني عبد القادر ليكون الأمين العام للتنظيم الجديد، وغيرها من المناصب التي اعتذر عنها، لاهتمامه بأمور غيرها، وكذلكم الأخ علي عثمان محمد طه، الذي قدمه إلى تسنم منصب زعيم المعارضة في الجمعية التأسيسية الذي أثار موجدة القيادات التاريخية للحركة الإسلامية، إذ كان الأخ علي عثمان في ريعان الشباب وقتئذٍ، تجربته رئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وبعض سنين في السلك القضائي، حتى أن السيد الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي زعيم الأغلبية ورئيس الوزراء آنذاك -يرحمه الله- استشاط غضباً من الدكتور حسن الترابي لهذا الاختيار، فكان يرى ذلك نوعاً من الاستخفاف به من قبل الترابي، وتحدث لبعض المقربين منه عن هذه المغاضبة، مشيراً إلى أنه كان يتوقع اختيار أحد الأستاذين أحمد عبد الرحمن محمد ومحمد يُوسُف محمد، زعيماً للمعارضة! وكذلك اختيارة نائباً للأمين العام للحركة الإسلامية، مما أثار مغاضبة مشائخ الحركة الإسلامية منه! وكذلك الأمر نفسه بالنسبة للأخ الدكتور غازي صلاح الدين العتباني عند ترشيحه أميناً عاماً للمؤتمر الوطني، وعمل بتدبير منه على فوزه في تلكم الانتخابات التي كنتُ شاهد عيان فيها، إذ قدمتُ من رحلة عمل من جوهانسبرج بجنوب أفريقيا، لتغطية فعاليات المؤتمر العام للمؤتمر الوطني في قاعة الصداقة بالخرطوم، لصحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، وذلك في فبراير (شباط) 1998، وكنت على مقربة من الدكتور حسن الترابي والشهيد الزبير محمد صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس المؤتمر العام آنذاك -يرحمهما الله- وسأورد الكثير من تفاصيل هذه الأمور وغيرها في كتابيّ المرتقبين “كنت مع الشيخ الدكتور حسن الترابي” والآخر “أعلام وشخصيات سودانية”. ومن الضروري الإشارة، إلى أن الأخ الدكتور التجاني عبد القادر حامد أعتذر عن تنسم مناصب رُشح لها، منها منصب نائب والي ولاية شمال كردفان، وإدارة التأصيل في وزارة التعليم العام والعالي، فتلك الوزارة كان يرأسها أستاذي وأحسبه أستاذه أيضاً البروفسور إبراهيم أحمد عمر -ألبسه الله لباس الصحة، ودثره بدثار العافية- أستاذ المنطق في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وكان طالباً في كلية العلوم، ومن ثم انتقل منها إلى كلية الآداب، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة كمبريدج البريطانية، وللبروفسور إبراهيم أحمد عمر اجتهادات تأصيلية غير منكورة في جامعة الخرطوم قبل عهد الإنقاذ، حيث أنشأ قسم الدراسات الإسلامية، برؤية جديدة، وفكر متجدد، إذ جعل فيه التخصصات العلمية بمنظور إسلامي حداثي، حيثُ يستمد تدريس الآداب والفقه والاقتصاد والقانون من منابع الدراسات الإسلامية، فابتعث بعض خريجي القسم المتفوقين للدراسات العليا في هذه التخصصات إلى بريطانيا وغيرها من الدول، لكن المؤلم أنه في عهد الإنقاذ التي رفعت راية التأصيل في الجامعات، جاء بعض من بنيها فهدموا هذا الفكر التأصيلي، لعدم إيمانهم به، وفهمهم له! ولما كان الراحل الدكتور التجاني عبد القادر حامد من المولعين بالثقافة والمثاقفة، ولا يُثير كثير اهتمامه، العمل السياسي، على الرغم من أنه كان ناشطا سياساً، وأبرز قدراته السياسية، وكفاءته الإدارية في عهده الطالبي بجامعة الخرطوم، رؤي أنه من الضروري المزواجة بين رغبته الشخصية ورؤاه الفكرية، متمثلة في توليه للأمانة العامة لهيئة الأعمال الفكرية، وهي منظومة فكرية ثقافية، ولكن عندما جاءه عرض من الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا، لم يستطع الفكاك من مضاغطات عديدة، وظروف صعبة في السودان، إلا بقبول هذا العرض الأكاديمي الماليزي، على الرغم من أنه كان يحاول جاهداً إثناء بعض رسلائه من الهجرة، بحُجية الاستفادة من علمهم وجهدهم داخل الوطن! ومن هناك اتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية ليعمل أستاذاً في معهد العلوم الإسلامية والاجتماعية الذي أنشأه البروفسور طه جابر العلواني في فيرجينيا بأميركا، ومن هناك اتجه إلى الإمارات، ثم استطاب له المقام في قطر، مواصلاً مشاريعه الفكرية، إلى أن صعدت روحه إلى بارئها! رفد الراحل البروفسور التجاني عبد القادر حامد المكتبة السودانية والإسلامية بالعديد من الكتب والأبحاث والمقالات. وأحسبُ أن العُمدة في كتبه كتاب “أصول الفكر السياسي في القران المكي” الذي صدر عام 1995. وكان متأثراً بكتاب الشهيد سيد قطب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” الذي صدر في عام 1949، حيثُ وصف الكتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام، وهو كتاب مهم للعقلية المسلمة المعاصرة، أي العقلية التي استيقظت ولا يوجد في العالم باتساع رقعته تطبيق حقيقي للعدالة! ولما كان الراحل التجاني عبد القادر مهموماً بقضايا العدالة الاجتماعية، جاء كتابه “مشكلة الفقر: مقدمات في أصول الاقتصاد السياسي في الإسلام” عام 1994. ومن كتبه المهمة “نزاع الإسلاميين في السودان: مقالات في النقد والإصلاح” عام 2008، ثم “مقدمة في فلسفة السياسة” عام 2019. ولا يمكن التغافل عن سلسلة مقالات تحدث فيها عن تحالف القبيلة والسوق والأمن، واستشرف في بعضها مآلات تقريب قوات الدعم السريع، وتمكين محمد حمدان دقلو (حميتي) من السلطة والنفوذ والمال، فها هي توقعاته للأسف، عن تدمير حميتي للسودان، حدثت كما صورها في تلكم المقالات! وكان يعمل في أيامه الأخيرة على مخطوطه الجديد “قراءات في السياسة السودانية المعاصرة: السقوط والثورة والحرب”. ومن غريب المصادفة، أن الدكتور حسن الترابي كان قُبيل وفاته منشغلاً بكتابة بعض أفكاره، وكذلك الأخ التجاني عبد القادر وُجد ميتاً وسط أوراقه- يرحمهما الله-! وأحسبُ أن بعض الذين رثوا الأخ التجاني عبد القادر حامد اختلط عليهم الأمر، فذهبوا إلى أنه حصل على الدكتوراه من جامعة بريطانية، وأنه عمل مستشاراً لوزير المالية والاقتصاد الوطني في السودان، وشارك في العديد من المؤسسات المالية والمصارف، فذلك كان الأخ الدكتور التجاني عبد القادر محمد! فكلاهما من السودان، ودرسا في بريطانيا! ومن المهم، في هذا الصدد، أن نلفت الانتباه إلى أن الرثاء ليس خواطر حزينة، فحسب بل هو توثيق وترجمة للمرثي، فمن الضروري التأكد من المعلومة وتوثيقها. ألا رحم الله، قاضي القضاة شَمْسْ اَلدِّينْ أَبُو اَلْعَبَّاسْ أَحْمَدْ بْنْ مُحَمَّدْ بْنْ إِبْرَاهِيمْ بْنْ أَبِي بَكْرْ بْنْ خِلِّكَانْ،مؤرخ وقاض وأديب يعد من أعلام مدينة دمشق، وهو صاحب كتاب «وَفَيَاتُ اَلْأَعْيَانِ وَأَنْبَاءِ أَبْنَاءِ اَلزَّمَانِ» وهو أشهر كتب التراجم العربية، ومن أحسنها ضبطاً وإحكاماً، وتميز الكتاب على سائر كتب التراجم بعناية مؤلفه. وبلغ من عنايته بذلك أنه كان يُسقط الترجمة كلها، إذا لم يوفق في الوقوف على سنة الوفاة متى تيسر لذلك بقوله عن بعض التراجم “ولم أظفر بوفاته حتى أفرد له ترجمة”. فهذا يدل على أهمية ترجمة الوفيات، لا سيما وفيات الأعيان. وكذلكم أولى بعض الغربيين عناية خاصة بالمراثي في صحفهم وكتبهم، من ذلك قولهم: Make a list of life events and notable achievements that you will include in the biographical section. You should conclude your obituary by mentioning the deceased’s legacy. Identify whom or what they are leaving behind. أخلص إلى أن الأخ البروفسور التجاني عبد القادر حامد -يرحمه الله- كان خلوقاً طيباً، ودوداً متواضعاً، وسمحاً لطيفاً، واجتماعياً رفيقاً. طيب المعشر، وحسن المعاملة، وحسن الخلق، ولين الجانب. ولا يُعادي أحداً، لأنه كان يعلم أن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور، وكأنه في ذلك يستذكر قول الله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ”. وقول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين، المعروف بالمتنبئ: ومُراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه وأن نتفانى غير أن الفتى يُلاقي المنايا كالحاتٍ ولا يُلاقي الهوانا كان الراحل البروفسور التجاني عبد القادر حامد كتوماً صبوراً، يستشكل على أصدقائه ومعارفه سبر أغواره، ومعرفة أسراره، وكان يفعل الخير لأهليه في السودان. فكان من الذين يدركون أن من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، تصديقاً لقول الله تعالى: “وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا”، وتأكيداً لقول أَبُي مُلَيْكَة جُرُولْ بْنْ أَوْسْ بْنْ مَالِكْ المعروف باسم الْحُطَيْئَةِ: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العُرف بين الله والناس مما لا ريب فيه، أن فقد الأخ التجاني عبد القادر كان فقداً عظيماً وحُزناً أليماً، ومُصاباً جللاً، لأهليه وأصدقائه ورسلائه وتلاميذه ومعارفه وعارفي فضله وإحسانه داخل السودان وخارجه. وأحسبُ أن الأخ التجاني عبد القادر كان يتمثل في نفسه قول الله تعالى: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً”. وفي خاتمة هذه العُجالة الرثائية، أسأل الله تعالى يتقبَّل فقيدنا الأخ التجاني عبد القادر حامد الذي عاش متواضعاً، ورفيقاً، ومحباً، ومحبوباً من أهليه وأصدقائه ورسلائه ومعارفه وعارفي فضله وإحسانه كافة، قبولاً طيباً حسناً ويُلهم آله وذويه وأهليه وأصدقاءه ورسلائه ومعارفه الصبر الجميل. ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ”.