البرهان بين توازنات الداخل وضغوط الخارج: قراءة منظومية في مشهد معقّد
Mazin
د. إسماعيل ساتي
يُجمع عدد من المراقبين والمحللين على أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان يجد نفسه اليوم في قلب معادلة سياسية وأمنية بالغة التعقيد، لا تُدار فيها السلطة بوصفها مركز قرار مستقل، بل بوصفها نقطة توازن داخل منظومة مضطربة تتقاطع فيها خطوط الداخل والخارج على نحو متداخل ومفتوح على إعادة التشكل المستمر.
فما يواجهه البرهان لا يمكن اختزاله في مجرد إدارة علاقات سياسية تقليدية، أو موازنة بين حلفاء وخصوم، بل يتمثل في محاولة مستمرة للتماسك داخل بيئة تتعدد فيها مراكز الضغط وتعمل في اتجاهات متعارضة في آن واحد. داخلياً، تتداخل اعتبارات استمرار المؤسسة العسكرية في إدارة الحرب والحفاظ على تماسكها، مع التحالفات السياسية والاصطفافات المبنية على التوجهات الفكرية والسياسية المختلفة داخل المشهد السوداني. وخارجياً، لا يبقى الدعم والاعتراف السياسي ثابتين، بل يتحركان وفق حسابات إقليمية ترتبط مباشرة بتطورات الحرب وتغير موازين القوة على الأرض.
وفي هذا السياق، ورغم النفي المتكرر لأي توصيف يعتبر المؤسسة العسكرية السودانية مؤسسة مؤدلجة إسلامياً (وهو جدل لا يتناوله هذا المقال من زاوية الإثبات أو النفي) إلا أن الواقع العملي يكشف عن حضور فاعل ومؤثر للتيار الإسلامي العريض داخل المشهد، سواء من حيث الدعم السياسي أو المشاركة الميدانية منذ اندلاع الحرب. هذه المعطيات، بغض النظر عن تأويلها السياسي أو الأيديولوجي، تشكل جزءاً من البنية الفعلية التي تتحرك داخلها موازين القوة التي يصعب إغفالها.
ومن منظور عملي، لا يمكن فهم هذا التعقيد إلا عبر ما يُعرف بـ (الفكر المنظومي)، وهو منهج تحليلي يرى الواقع باعتباره شبكة مترابطة من العناصر التي تتفاعل عبر حلقات من التأثير المتبادل والتغذية الراجعة، بدل تفسيره كسلسلة أحداث منفصلة خطياً أو قرارات فردية معزولة، وهو ما يُعرف بـ (التفكير الاختزالي). هذا المنظور يسمح بفهم كيف تتشكل السلوكيات السياسية كنتيجة لتوازنات داخل منظومات متداخلة، وليس فقط كنتاج لإرادة فاعل سياسي منفرد.
وعند تطبيق هذا الإطار على الحالة السودانية، يتضح أن البرهان لا يتحرك داخل فراغ سياسي، بل ضمن منظومة معقدة تتداخل فيها أربعة مكونات رئيسية: المؤسسة العسكرية، والتيار الإسلامي والوطني، والقوى الإقليمية الداعمة أو المتحفظة، وواقع الحرب المفتوحة على الأرض. هذه المكونات لا تعمل بشكل مستقل، بل ترتبط فيما بينها بعلاقات تأثير متبادل تجعل أي تغيير في أحدها ينعكس مباشرة على بقية العناصر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ومن داخل هذه المنظومة، تتشكل حالة من التغذية الراجعة المزدوجة. فمن جهة، هناك حلقة تعزيز داخلية (Reinforcing Loop) حيث يوفر التيار الإسلامي دعماً سياسياً وميدانياً للمؤسسة العسكرية، مما يساهم في تعزيز تماسكها الداخلي وقدرتها على الاستمرار في الحرب. ومن جهة أخرى، تتبلور في اتجاه عكسي حلقة ضغط خارجية، حيث يؤدي توسع هذا النفوذ أو ظهوره العلني إلى تزايد تحفظ بعض القوى الإقليمية على مستوى دعمها أو ثقتها في المسار الذي تقوده القيادة العسكرية في السودان. وهنا تنشأ المعضلة الجوهرية داخل المنظومة: فكلما اتجهت القيادة إلى تعزيز تماسكها الداخلي عبر القوى الأكثر حضوراً على الأرض، كلما ازداد التوتر مع البيئة الإقليمية الخارجية. وفي المقابل، كلما حاولت الاستجابة لمتطلبات الخارج وإعادة تشكيل صورتها السياسية، كلما تعرضت لتحديات داخلية تتعلق بقدرتها على الحفاظ على مستوى الدعم الفعلي في ساحة الحرب. وبذلك تتحول كل محاولة لإعادة التوازن إلى عامل إضافي لإعادة إنتاج التوتر نفسه.
هذه الحالة لا يمكن النظر إليها بوصفها أزمة قرارات أو أخطاء تكتيكية، بل باعتبارها تناقضاً بنيوياً داخل المنظومة نفسها، حيث تصبح عناصر القوة في أحد الاتجاهات مصدراً للضعف في الاتجاه الآخر، مما ينتج حالة دائمة من الشد والجذب لا تسمح بالاستقرار المستدام (Sustainable Homeostasis) داخل البيئة السياسية والأمنية.
وفي ظل هذا التناقض، تسعى المنظومة إلى تحقيق ما يمكن وصفه بـ (التوازن القسري)، أي محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بين الداخل والخارج دون التفريط بأي طرف بشكل كامل. غير أن هذا النوع من التوازن لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل يؤدي غالباً إلى حالة من التأرجح المستمر، حيث يتم تأجيل الحسم الاستراتيجي لصالح إدارة الأزمة وتخفيف آثارها فقط.
وبالنظر إلى هذه التفاعلات، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية محتملة لتطور المنظومة. يتمثل المسار الأول في تغليب الداخل عبر تعزيز التحالفات الداخلية بما يضمن تماسك المؤسسة العسكرية، لكنه يأتي على حساب تراجع مستوى الدعم أو القبول الخارجي. ويتمثل المسار الثاني في تغليب الخارج عبر إعادة ضبط التوازنات الداخلية بما يتناسب مع متطلبات الشركاء الإقليميين، وهو ما قد يخلق هشاشة داخلية في بيئة حرب نشطة ومعقدة. أما المسار الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، فيتمثل في استمرار حالة التوازن الهش، حيث تتم إدارة التناقض دون حسمه، مما يؤدي إلى استمرار عدم الاستقرار بشكل مزمن داخل المنظومة.
في المحصلة، لا يبدو أن ما يواجهه البرهان يمكن اختزاله في ضغوط سياسية تقليدية أو صراعات نفوذ عابرة، بل هو انعكاس لاختلال أعمق في توازنات منظومة معقدة تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، والحرب بالدعم الإقليمي، والبنية الداخلية بالاعتبارات الخارجية. ومن هذا المنظور، يصبح التحدي الحقيقي ليس في اختيار طرف على حساب آخر، بل في إدارة تناقض بنيوي يبدو أنه أصبح جزءاً من طبيعة المرحلة نفسها داخل المشهد السوداني.
التوصية بإعادة هندسة التوازن المنظومي:
في ضوء هذا التشخيص المنظومي، لا يبدو أن الخروج من هذه المعضلة يمكن أن يتحقق عبر خيار حاسم بسيط بين الداخل والخارج، بل عبر إعادة هندسة العلاقة بين مكونات المنظومة نفسها بما يقلل من حدة التناقض البنيوي القائم. وبالنسبة للبرهان، فإن أولى خطوات التخفيف من هذا الضغط تتمثل في الانتقال من منطق (التحالفات الصلبة) إلى منطق (التوازنات المرنة)، بحيث لا تُبنى شرعية البقاء السياسي أو العسكري على طرف داخلي واحد أو محور خارجي واحد، بل على شبكة أوسع من التفاهمات المتعددة التي تقلل من قدرة أي طرف منفرد على فرض شروطه بالكامل.
كما أن أحد أهم مسارات تخفيف الضغط المنظومي يتمثل في إعادة تشكيل قاعدة الدعم الداخلي عبر الانتقال من الاعتماد على مراكز نفوذ محددة إلى بناء كتلة وطنية عريضة متعددة المكونات، يمكن أن تتجسد في إطار سياسي أو تشريعي جامع، يضم مختلف القوى والتيارات، بما في ذلك التيار الإسلامي، إلى جانب بقية الأطراف السياسية والمدنية التي وقفت فعلياً إلى جانب القوات المسلحة خلال الحرب. ويقوم هذا التصور على منطق توسيع قاعدة الشرعية بدل إقصائها أو إعادة إنتاجها بصورة انتقائية، بما يجعلها أكثر تنوعاً وأقل هشاشة أمام تأثير أي مكوّن منفرد داخل المنظومة.
ورغم أنه قد يُفترض في بعض التصورات أن استثناء التيار الإسلامي من معادلة المشاركة لا يؤدي بالضرورة إلى تحوله إلى موقف معادٍ للمؤسسة العسكرية، بالنظر إلى كونه كان تاريخياً أحد أبرز الداعمين لها في حقب سابقة، إلا أن القراءة المنظومية تشير إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بنوايا هذا التيار أو اتجاهاته، بل بتأثير فعل الاستثناء ذاته على بنية التوازن الداخلي. فإقصاء هذا المكوّن الواسع من المشهد قد لا ينتج عداءً مباشراً بقدر ما يخلق فراغاً داخل منظومة الدعم الاجتماعي والسياسي، وهو فراغ يمكن، في سياق حرب مفتوحة وهشة، أن يُستغل أو يُملأ من قبل قوى أقل ارتباطاً باستقرار الدولة أو حتى ذات توجهات متعارضة مع مصالحها، بما يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل خريطة الاصطفافات الداخلية بصورة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للضبط.
وفي هذا السياق، فإن الهدف ليس إضعاف أي طرف بعينه بقدر ما هو تحويل بنية الدعم من علاقة تمركز حول فاعل واحد إلى شبكة أوسع من التوازنات المتداخلة، بما يقلل من احتمالية تشكل (نقطة ضغط واحدة) قادرة على فرض قيود غير متناسبة على القرار السياسي والعسكري. وعند تحقق هذا التحول، تصبح المنظومة أكثر قدرة على امتصاص التباينات الداخلية والخارجية دون أن تنزلق إلى حالة التناقض البنيوي الحاد الذي يعيد إنتاج الأزمة.
وفي المستوى المؤسسي، يظل الأهم هو بناء فصل تدريجي ووظيفي بين متطلبات الحرب وإدارة الدولة، بما يقلل من اختلاط منطق البقاء العسكري بمنطق الشرعية السياسية، لأن استمرار تداخل هذين المسارين هو ما يعيد إنتاج التناقض المنظومي بشكل مستمر. كما أن توسيع قاعدة العلاقات الإقليمية وتعدد مسارات الدعم السياسي والدبلوماسي من شأنه أن يخفف من (الضغط أحادي الاتجاه) الذي تفرضه بعض القوى الخارجية، ويمنح القيادة مساحة مناورة أوسع داخل المنظومة.
وفي النهاية، لا يتمثل التحدي في حسم التوازن بقدر ما يتمثل في إعادة تشكيل بنيته، بحيث تصبح المنظومة أقل قابلية لإنتاج التناقض الحاد وأكثر قدرة على إدارة الاختلاف دون الانزلاق إلى استنزاف مزمن. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن أحد أبرز خصائص الفكر المنظومي هو أنه لا يقدم حلولاً نهائية بقدر ما يعمّق إدراك صناع القرار والمهتمين بديناميكيات المنظومات المتحركة، ويعزز القدرة على متابعة مسارات التفاعل المستمر داخلها، والتعامل الواعي مع العوامل التي تعيق تحقيق الأهداف، دون إغفال أو تبسيط مخل، وذلك بما يضمن عدم خروج المنظومة قيد الدراسة عن نطاق السيطرة أو الانزلاق إلى مسارات غير قابلة للإدارة.