البرنامج الثلاثي للإنقاذ الاقتصادي … ما أشبه اليوم بالبارحة

د. الهيثم الكندي يوسف

تعيد صيرورة التاريخ نفسها في السودان بصورة تدعو للعجب، فالأزمات المعيشية تعكس ذات الملامح لفترات مضت وإن تبدلت السنوات فعندما استولت الإنقاذ على السلطة في أواخر ثمانينات القرن الماضي، كانت تحاول ان تستمد شرعيتها عبر مواجهة وضع اقتصادي وسياسي وأمني منهار. فقد كان الاستنزاف العسكري في الجنوب يتصاعد، فتتساقط المدن في يد التمرد الواحدة تلو الأخرى، والخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة وتعليم في حالة انهيار شامل، بالتوازي مع تضخم جامح وتهاوي حاد في قيمة الجنيه، وفساد ينخر في عظام الخدمة المدنية.

هذه الظروف هي عينها التي ساقها العميد (حينها) عمر البشير في بيانه الأول كمسببات لتبرير تحركهم لاستلام السلطة. ولعل هذه الظروف أو الكثير منها هو ما يطبق على خناق البلاد اليوم.

في ظل ذلك الانهيار أطلقت الحكومة (البرنامج الثلاثي للإنقاذ الاقتصادي 1990-1993)، تحت قيادة وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي وبالتنسيق مع بنك السودان المركزي. كان البرنامج حزمة من الصدمات الهيكلية غير المسبوقة وقتها وقد كان أهمها:

– تحرير شامل لسعر الصرف وإلغاء القيود على النقد الأجنبي.
– رفع كامل للدعم عن المحروقات والسلع الأساسية.
– خصخصة الكثير من مؤسسات القطاع العام وتجفيف الإنفاق الحكومي.
– إعتماد سياسه النهوض بالموارد الذاتية واستصحاب المجتمع في ذلك.

لقد كانت تلك القرارات بمثابة زلزال اجتماعي أثر بشدة علي القوة الشرائية للمواطن. وهنا برز العقل السياسي للحكومة، إذ سارعت لامتصاص الارتدادات عبر شبكات أمان متعددة، حيث قام ديوان الزكاة ببرنامج دعم كبير للفقراء، وانشيء الصندوق القومي لرعاية الطلاب لتوفير السكن ودعم طلاب الجامعات، واعتمدت مشروعات الأسر المنتجة. وعلى الصعيد النقابي جرى إقرار الهيكل الراتبي الموحد، كما جري إعتماد نظام التعاونيات في الأحياء لتوفير السلع التموينية بأسعار مخغضة. كما استحدثت لاحقاً وزارة معنية بشأن التخطيط الاجتماعي (1993). غير أن السلاح الأقوى في تلك المعركة كان يكمن في التعبئة الشعبية حيث رفعت الدولة شعار (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع)، واستنهضت الهمم عبر الإعلام والمدارس والمؤسسات المجتمعية، وقد تجلى ذلك بشكل مشهود في قطاع الزراعة، ففي عهد وزير الزراعة أحمد علي قنيف، تم تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح في تجربة أثبتت أن استنهاض الإرادة الوطنية قادر على سد الفجوات الاقتصادية.

لقد كانت أهم ثمار هذا التخطيط بخلاف تلك السنوات الثلاث، بأن شكّل البرنامج البنية التحتية والركيزة التي مكنت الدولة من تحمل أعباء الحصار الدولي، وصولاً إلى تدشين حقبة تصدير النفط في نهايه التسعينات. والتي مثلت الانفراجة الاقتصادية التي تنفس فيها السودان الصعداء وعاشت فيها العملة الوطنية والتنمية أزهى فتراتها، إلى أن جاءت الطامة الكبرى بانفصال الجنوب عام 2011 وفقدان الموارد النفطية.

نقف اليوم أمام تطابق الظروف، ولهذا يصبح استلهام هذا النموذج ضرورة للخروج من الأزمات التي نعيشها، إذ يمكن تطبيق نسخة محدثة من البرنامج الثلاثي تقوم على ثلاثة محاور رئيسية هي:

– استنهاض قطاعات الإنتاج المباشر: وذلك عن طريق التركيز على الاستثمار الزراعي والحيواني لتأمين الغذاء وتوفير الصادرات، برعاية شعبية ومؤسسية تعيد الاعتبار لقيمة العمل والجهد الذاتي.
– إصلاح إقتصادي وإعادة هيكلة الدعم: وذلك عن طريق التحرير الاقتصادي وخاصة في قطاع الكهرباء، وربط ذلك بشبكات حماية اجتماعية ذكية تراعي التحولات الديموغرافية والنزوح الداخلي القسري جراء الحرب، مع تفعيل دور التكافل المجتمعي.
– التعبئة الوطنية الشاملة: بتحويل الخطاب السياسي والإعلامي من التجاذب إلى مشروع وطني بوجدان موحد يرفع شعارات الكفاية والاعتماد على الذات لبناء اقتصاد قادر علي الصمود أمام التحديات.

إن تجربة البرنامج الثلاثي بما لها وما عليها، تؤكد أن الإصلاحات الهيكلية لا تكتمل نجاحاتها بالحلول الجريئة وحدها، ولكن أيضا بالقدرة على الابتكار في شبكات الحماية الاجتماعية، وحشد الطاقات الشعبية. إن استرداد عافية الدولة السودانية اليوم يتطلب ذات الروح التي تحول دون سقوط المجتمع، وتجعل من الإنتاج المحلي والاستنهاض الشعبي طوق النجاة في وجه العاصفة.

Exit mobile version