الاستقلال الناقص والرؤية الغائبة: كيف أهدرت التحالفات المرحلية فرصة بناء الدولة السودانية؟

د. إسماعيل ساتي
مدخل:
هل استقل السودان فعلاً في عام 1956؟
سؤال قد يبدو صادماً، لكنه ضروري لفهم مأزق الدولة السودانية الحديثة.
فإذا كان السودان قد نال استقلاله الشكلي عن الحكم الثنائي قبل سبعة عقود، فهل كان إعلان الاستقلال من داخل البرلمان ورفع العلم على سارية القصر الجمهوري كافياً لتحقيق الاستقلال بمعناه العميق؟ أم أن الاستقلال الحقيقي كان يفترض أن يكون تحرراً من هيمنة الزعامات، ومن عقلية اقتسام السلطة، ومن وهم أن الدولة غنيمة يتداولها المنتصرون؟
فكيف نطمح إلى الاستقلال الأكبر بإنشاء دولة قوية عزيزة بين الأمم، إذا كنا لم ننجز بعد الاستقلال الأصغر؟
إشكالية التحالفات التكتيكية في التاريخ السياسي السوداني:
منذ لحظة الاستقلال، لازمت الدولة السودانية أزمة بنيوية عميقة، كان أحد أبرز مظاهرها اللجوء المستمر إلى تحالفات مرحلية قصيرة النفس، تُبنى لهدف واحد: إسقاط خصم، دون الاتفاق على ما بعده.
لم تُبنَ هذه التحالفات على مواثيق وطنية جامعة ولا على برامج دولة واضحة، بل على توافقات مرحلية تُدار بعقلية “التكتيك الآني” لا بعقلية “المشروع الوطني المديد”. وهو ما جعل إخفاق الاستقلاليين الأوائل يتكرر بأشكال مختلفة عبر العقود.
فمن يراجع التاريخ السياسي للسودان منذ خمسينيات القرن الماضي، يلاحظ نمطاً ثابتاً:
توافق مرحلي بين قوى متباينة تكتيكياً، ينهار فور تحقق الهدف الآني.
• تحالف القوى السياسية المتناقضة في الفترة (1953–1955) لتحقيق الاستقلال عن الحكم الثنائي المحض دون التوافق على ما بعده.
• تحالف مدني مرحلي في أكتوبر 1964 لإسقاط نظام عبود.
• إعادة إنتاج النموذج نفسه في أبريل 1985 لإسقاط نظام نميري.
• ثم تحالف 2019، حيث اجتمعت قوى مدنية هامشية وحديثة عهد على إسقاط نظام الإنقاذ، لا على بناء دولة، وانتهى الأمر بصراع داخلي وانقسام حاد، ثم انهيار شامل.
في كل هذه المحطات، كان الهدف واضحاً: إزالة النظام القائم.
لكن السؤال الذي لم يُجب عليه أبداً هو: وماذا بعد؟
هل حققت التحالفات المرحلية دولة أم مجرد تبديل أنظمة من سيء لأسوأ؟
لم تنجح هذه التحالفات في:
• توحيد المجتمع السياسي.
• ترسيخ مفهوم العمل الوطني الجمعي.
• تثبيت أركان الأمن القومي وبناء دولة مؤسسات.
بل نجحت فقط في تحقيق أهدافها التكتيكية، ثم أنتجت أنظمة أضعف وأكثر هشاشة وأشد انقساماً، ما فتح الباب مجدداً إما لانقلاب عسكري أو لاستقطابات مجتمعية.
واليوم، يتشكل تحالف مرحلي جديد، تدعمه قوى وطنية مختلفة في خلفياتها وايدلوجياتها، ومتفقة – رغم تبايناتها – على هدف واحد: مساندة الجيش وهزيمة الجنجويد وحلفائهم السياسيين (القحاتة/صمود/تأسيس) ومن ثم إنهاء الحرب.
ويكاد الإجماع ينعقد على أن “ما بعد الحرب” سيُحل عبر انتخابات سريعة، يُنظر إليها كما لو كانت عصا موسى التي ستعيد السلم والاستقرار دفعة واحدة.
لكن السؤال الجوهري يظل قائماً:
إذا كانت التحالفات المرحلية منذ الاستقلال قد فشلت مراراً، فما الذي يجعلها تنجح هذه المرة
تحليل أسباب الفشل المتكرر:
من هذه الاسباب:
1. عقلية “العدو المشترك” بدل “المستقبل المشترك”
السياسة السودانية تُدار غالباً بمنطق: من نُسقطه، لا بما نبنيه.
فالتحالفات تقوم على كراهية مشتركة، لا على رؤية مشتركة.
وحين يزول العدو، تنفجر التناقضات المؤجلة.
2. غياب الثقافة الديمقراطية التوافقية
السلطة تُفهم كغنيمة، لا كتكليف.
والشراكة تُفهم كمرحلة اضطرارية، لا كخيار دائم.
لذلك تتحول أي خلافات طبيعية إلى صراعات وجود.
3. مركزية القرار وشخصنة السياسة
الأحزاب والقوى السياسية تُدار بعقلية الزعيم التاريخي أو الحلقة الضيقة، لا بالمؤسسات والبرامج.
وهذا يجعل التحالفات رهينة مزاج الأفراد لا التزامات مكتوبة.
4. اختلال العلاقة بين المدني والعسكري
في كل مرة، تنتج التحالفات المدنية فراغاً سياسياً وأمنياً، بلا تصور واضح لإدارة الدولة، فيعود الجيش – أو يُدفع من الساسة للعودة – كخيار اضطراري.
5. التأثيرات الإقليمية والدولية
غياب رؤية وطنية موحدة يجعل القوى السياسية عرضة للاستقطاب الخارجي، وتتحول التحالفات إلى أدوات لتصفية صراعات غير سودانية.
6. غياب الإطار الدستوري والمؤسسي الجامع
في ظل غياب قواعد لعبة متفق عليها، تتحول السياسة إلى صراع صفري، لا يحتمل التنافس السلمي ولا التداول المنظم للسلطة.
الحلول العملية: كيف نكسر الحلقة المفرغة؟
نطرح هنا بعض الحلول المقترحة على القوى الوطنية للخروج من هذه المعضلة التي تكاد تعصف بالدولة:
1. من “ميثاق إسقاط النظام” إلى “ميثاق بناء الدولة”
لا تحالف دون وثيقة ملزمة تحدد:
• هوية الدولة.
• نظام الحكم.
• العلاقة بين المركز والأقاليم.
• الاقتصاد.
• السياسة الخارجية.
• إصلاح المؤسسة العسكرية.
2. إصلاح النظام الحزبي
بقانون أحزاب يفرض:
• الديمقراطية الداخلية.
• الشفافية.
• تجديد قيادات الاحزاب وتداول السلطة .
• الالتزام الدستوري.
3. مجلس وطني للحوار الدائم
منصة مؤسسية تمنع تراكم الخلافات وتديرها قبل انفجارها.
4. ميثاق مدني–عسكري واضح
يضمن:
• عدم تسييس الجيش.
• وعدم اختطاف الدولة من المدنيين الفاشلين.
5. نظام انتخابي يعزز التوافق لا الإقصاء
نظام نسبي أو مختلط يقلل من منطق “الفائز يأخذ كل شيء”.
6. تمكين المجتمع المدني الحقيقي
كمؤسسات رقابة ووساطة، لا كواجهات سياسية مقنعة.
خاتمة: الاستقلال الأكبر
الاستقلال الحقيقي لا يُقاس براية تُرفع، ولا بعلم قديم يُستعاد،
بل باستقلال الإرادة الوطنية عن الأنانية السياسية، وعن التحالفات الانتهازية قصيرة النظر.
إن السودان لا يعاني من نقص في الثورات أو التحالفات، بل من نقص في الرؤية الاستراتيجية والشجاعة الأخلاقية للاعتراف بالأخطاء.
فالسؤال لم يعد:
هل ستنجح هذه التحالفات المرحلية؟
بل السؤال الحقيقي هو:
هل نمتلك الإرادة لبناء تحالفات استراتيجية دائمة تقودنا إلى الاستقلال الأكبر: استقلال الإرادة، والرؤية والمستقبل المشترك؟



